الشاشة

«أصغر فرهادي».. الطيبون في حرب لم يرِدها أحد

«أصغر فرهادي» خلال تصوير فيلم «البائع» - الصورة: moviereviewmag.com

«المآسي الكلاسيكية تعتمد على حرب بين خير وشر، وموقفنا يكون واضحًا بينهما: نريد أن ينتصر الخير وينهزم الشر. ولكن المأساة الحقيقية، كما يحدث في الحياة، حين تكون المعركة بين خير وخير، لا يصبح مهمًّا حينها من يفوز.. ستنكسر قلوبنا في جميع الأحوال ».

‒ المخرج الإيراني «أصغر فرهادي»، في حواره مع الصحافية «آن طومسون» لموقع «إندي واير»، ديسمبر 2011.

في عام 2011، ظنَّ «أصغر فرهادي» وهو يصنع فيلم «انفصال نادر وسيمين» (A Separation) أن أحدًا لن يفهمه خارج إيران، وأن الحكاية العائلية البسيطة التي تشبه خلافات الجيران ومشاكلهم اليومية سيكون استقبالها فاترًا في أوروبا.

لذلك كان «فرهادي» نفسه أكثر المندهشين بالعام الأكثر صخبًا في حياته، الذي بدأ في فبراير 2011، حين عُرض الفيلم في مهرجان برلين السينمائي ونال استقبالًا حافلًا، توَّجه بالحصول على الدب الذهبي كأول فيلم إيراني يفوز بالجائزة،[1] إلى جانب دُبَّين فضيين لأفضل ممثل وممثلة، وهو الفيلم الوحيد في تاريخ المهرجان الذي حصد ثلاثة دببة.

انتهى عام «فرهادي» في فبراير 2012، حين فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي عن (A Separation)، في إنجاز تاريخي غير مسبوق للسينما الإيرانية. وبين الفبرايرين، عرف العالم اسم «فرهادي» وسينما شرقية لم يَرَها بهذا الشكل من قبل.

أين يقع منزل «فرهادي»؟

«حين أكتب، لا أفكر في جمهور معين أتوجه إليه بالحديث، بل أكتب فقط ما يمليه عليَّ قلبي».

‒ «أصغر فرهادي» خلال مقابلة مع وكالة «فرانس برس»، مايو 2016.

المُتابع الجيد للسينما الإيرانية في العقود الأربعة الأخيرة يمكن له، بقليل من الاختزال، أن يُقسِّم الأفلام والمخرجين الذين نالوا احتفاء دوليًّا وعرف العالم أعمالهم السينمائية إلى جانبين/جيلين.

يتصدر الجيل الأول «عباس كياروستامي» (Abbas Kiarostami)، ومِن ورائه «محسن مخملباف» (Mohsen Makhmalbaf) و«مجيد مجيدي» (Majid Majidi)، الذين قدموا إما مُنجزًا سرديًّا مختلفًا يعتمد على الدمج بين الأفلام الروائية والوثائقية بصورة متفردة، أو شكلًا جديدًا لأفلام تدور في قرى بسيطة وحكايات أبسط، أغلبها يرتبط بالأطفال.

لا يقف «فرهادي» سينمائيًّا على يسار الدولة؛ ويلتزم بمحاذيرها الرقابية ولا يتطرَّق للتفاصيل التي تجذب الغرب ناحية سينما إيران.

أما الاتجاه الثاني الذي نال تقديرًا وترحابًا فيمكن ربطه بـ«الاستشراقية» وتلبية بعض توقعات العالم نحو الأفلام الخارجة من ثقافة مُغايرة كإيران، وتناول قضايا لها بُعد سياسي واجتماعي مباشر.

وبغض النظر عن المستوى الفني، الجيد فعلًا في كثير من الأحيان، فإن ذلك الاتجاه قاده من الجيل الثاني للسينما الإيرانية «جعفر بناهي» (Jafar Panahi)، الذي ارتبط أغلب أفلامه المقدَّرة بوضع المرأة في إيران أو المناخ السياسي الضاغط والحريات المكبوتة، ومن الجيل الثالث «بهمان غوبادي» (Bahman Ghobadi)، الذي تناولت أفلامه الأكثر تقديرًا قضايا الحرب والاختلاف العرقي، والموسيقى غير الرسمية المُطارَدة من السلطة.

«أصغر فرهادي» يسكن في منطقة أخرى أكثر تقليدية بكثير من كل الموروث السينمائي الذي وضع اسم إيران على خريطة السينما العالمية في التسعينات وبدايات الألفية؛ فهو الرجل الذي تعلم السينما بمدارس الدولة الإسلامية (مجتمع السينمائيين الصغار في أصفهان عام 1986)، ثم في قِسم الفنون الدرامية بجامعة طهران (1998)، وبدأ عمله الإخراجي في التليفزيون بحلقات درامية بين عامي 2000 و2002.

وأثَّرت الخلفية التقليدية جدًّا في أفلامه فيما بعد، فهو لا يقف سينمائيًّا على يسار الدولة؛ ويلتزم بمحاذيرها الرقابية ولا يتطرَّق للتفاصيل التي تجذب الغرب ناحية سينما إيران، سواءً في شكل السرد أو المضمون، والأهم أنه يصنع أفلامًا مبنية على حكايات إذا سردها لك أحدهم على المقهى ستعتقد أنها مجرد «حدوتة عائلية للنميمة»، وإذا قال لك آخر إنه رآها على شاشة، فالأقرب أن تفكر أنها كانت سهرة تليفزيونية رديئة.

تدور أفلام «فرهادي» عن كيف يمكن لكل شخص أن يحكي حكايته الخاصة عن أي حدث صغير.

ولكن «فرهادي» وجميع تلك العناصر، التي تبدو مُقدِّمةً لفشل كبير، قلب كل الموازين المنطقية وصنع أفلامًا عظيمة ومسيرة سينمائية من أنضج ما قُدِّم في الخمسة عشر عامًا الماضية، إذ ترتبط كلها بمشروع واحد وسؤال أخلاقي كبير.

إلى من ننحاز في حربِ الخيِّرين؟

حين شاهدتُ أفلام «فرهادي» لأول مرة اعتقدت أن ما يجمعها هو سؤال «الحقيقة». كوَّنتُ نظرية، ما زالت صالحة للتطبيق، عن طريقة بناء السيناريو في أفلامه.

تدور النظرية حول قطع البازل الكبيرة؛ المعلومة التي تُضاف فتُغيِّر منظورنا للحدث كله، وعن الجوانب المتعددة لكلٍّ من أبطاله ومواءمتهم مع الوضع الضاغط الذي يضعهم فيه، وعن استغلاله للحظات ضعفهم وبُعدهم الإنساني المتعدد ليرسِّخ لـ«نسبية الحقيقة»، وعن كيف يمكن لكل شخص أن يحكي حكايته الخاصة عن أي حدث صغير؛ كدفع رجل لسيدة على السلم، أو كبير؛ كاختفاء مُدرِّسة البيانو في أثناء الرحلة الصيفية لعدد من العائلات.

ولكن مع نظرة ثانية وجديدة لأفلام «فرهادي»، هناك مساحة ورؤية أوسع يمكن أن تجمعها، بدءًا من «الرقص في الغبار» (Dancing in the Dust) عام 2003، حتى تتجلى في أوضح صورة مع فيلمه «البائع» (The Salesman) في 2016، تلك المساحة هي تضامن «فرهادي» وتعاطفه الكامل مع الإنسانية، ففي عالمه لا يوجد أشرار، يوجد فقط طيِّبون في حرب لم يُرِدهَا أحد.

«أظن أنه من المهم أن نحكي عن المواقف المعقدة التي تؤثر علينا، وأن أدع للمشاهد الفرصة كي يفكر فيها طَوَال الوقت».

‒ «أصغر فرهادي» في مؤتمر صحافي بمهرجان «تورنتو» عام 2011.

1. الرقص في الغبار

من فيلم "الرقص في الغباء" (2003).. شخص أمام الآخر.. والزجاج عنصر دائم للفصل بين طرفي الصراع في أفلام "فرهادي"

«الرقص في الغبار»: شخص أمام آخر، والزجاج عنصر دائم للفصل بين طرفي صراع عند «فرهادي»  - الصورة: Neshane

يبدو أول أفلام «فرهادي»، «الرقص في الغبار»، مختلفًا في الشكل والأسلوب عن كل ما سيخرجه بعد ذلك؛ فهي المرة الوحيدة التي تدور أغلب أحداث فيلمه خارجيًّا، وفي الصحراء تحديدًا، اعتمادًا على اللقطات الواسعة ومساحات من الصمت، لأن ساعة كاملة من زمن الفيلم تمضي مع اثنين من الممثلين فقط.

ورغم ذلك، فمن ناحية سردية، تحمل الحكاية ما سيحتفظ به «فرهادي» بعد ذلك. هناك جانبان كلٌّ منهما على ناحية؛ فتى يضطر لتطليق زوجته بسبب سمعة والدتها السيئة، ويحاول جمع المال كي يدفع لها المؤخر، وصائد ثعابين عجوز يرفض وجوده ويتعامل معه بعنف.

في الحكاية البسيطة يتراوح انحياز المشاهد في كل مرحلة، وصولًا لنهاية «تضامنية» و«مفتوحة»، ككل نهايات المخرج الإيراني الكبير بعد ذلك.

2. مدينة جميلة

من فيلم "مدينة جميلة" (2004).. ويمكن ملاحظة الطريقة الدائمة التي يقسم بها "فرهادي" أبطاله إلى ناحيتين في أفلامه كتأكيد على فكرة "الصراع"
«مدينة جميلة»: يقسم «فرهادي» أبطاله على الجانبين تأكيدًا لفكرة الصراع - الصورة: Neshane

 فيلم «فرهادي» الثاني «مدينة جميلة» (Beautiful City)، الذي أخرجه عام 2004، يصقل فيه أسلوبه على مستوى الشكل والسرد بصورة أكبر، ويطرح فيه «حرب الخيِّرين» بطريقة أكثر وضوحًا؛ فهناك حكاية عن شاب قتل فتاة منذ عامين حين كان في السادسة عشرة من عمره، وحُكِم عليه بالإعدام، والآن يجب تنفيذ الحكم بعد وصوله للثامنة عشرة.

ويدور الفيلم حول محاولات «فيروزة» أخت الفتى و«علاء» صديقه إقناع والد الفتاة المقتولة بالغفران، ومسامحة مَن كان صبيًّا قبل عامين ولم يقصد القتل وتغيَّر الآن، في تماسٍّ ربما مع عمل «كريستوف كيشلوفسكي» (Krzysztof Kieślowski)، أحد مخرجي «فرهادي» المفضلين، «فيلم قصير عن القتل» (A Short Film About Killing).

لعبة الشد والجذب العاطفية الصادقة تأخذ مداها بتراكم التفاصيل؛ العجوز مَكلوم بشدة ولا يستطيع المسامحة، نتعاطف معه، والأخت والصديق ملهوفان بشدة على الفتى، الذي لم يعد هو نفسه الذي قتل منذ عامين. 

3. ألعاب يوم الأربعاء النارية

ألعاب-يوم-الأربعاء-النارية
«ألعاب يوم الأربعاء النارية»: ملاحظة التقسيم مرة أخرى، من يقف أين؟ - الصورة: Boshra Film

أما الفيلم الثالث فيبدو من جديد خطوة أكثر نضجًا وتأكيدًا أن النجاح اللاحق لم يكن مصادفة؛ بل مشروعًا يربط جميع الأفلام ببعضها.

يحكي «ألعاب يوم الأربعاء النارية» (Fireworks Wednesday)، إنتاج 2006، قصة عائلية أكثر مُباشَرة، ويدور في زمن محدد (من صباح حتى مساء ليلة رأس السنة) ومكان محدد (بناية في طهران).

تشُكُّ زوجة في علاقة زوجها بصاحبة صالون التجميل التي تسكن الشقة المقابلة، وهذا هو المقصود عند ذكر أن حكايات أفلام «فرهادي» تبدو كـ«حواديت النميمة» والسهرات التليفزيونية، ولكن أسلوبه، ككاتب سيناريو عظيم أولًا، ثم مُخرج واعٍ ومتمكن إيقاعيًّا وممتاز في إدارة الممثلين ثانيًا، يُخرج الحكاية من قالبها الضيق.

يبني «فرهادي» فيلمه بتعددية وجهات النظر؛ منظور الزوجة وأسباب شكِّها، قلب الطاولة وتفنيد الزوج لكل التفاصيل، قبل أن يخلق منظورًا ثالثًا للحكاية من ناحية صاحبة الصالون نفسها. يخلق التواءات درامية (تويست) في دراما عائلية محدودة للغاية، ويحتفظ بـ«تعاطفه» مع كل الأطراف؛ لأن الحياة مكان مُعقَّد جدًّا ليس أكثر. 

4. عن إيلي

عن-إيلي
«عن إيلي»: في عمل قائم على «الضغط»، فإن «الحصار» هو المؤثر البصري الأكثر وضوحًا - الصورة: Dreamlab

من النادر فعلًا أن نشاهد فيلمًا دراميًّا عائليًّا بهذا القدر من الترقب والإثارة والنَّفَس المشدود والتحكم بالإيقاع الداخلي.

بعد ذلك بثلاث سنوات، يأتي «عن إيلي» (About Elly)، الذي كان أول التفات حقيقي لـ«فرهادي» خارج حدود إيران، بعد تتويجه بالدب الفضي لمهرجان «برلين» كأفضل مخرج، وهو الذروة السردية والأسلوبية الكبرى الأولى في مسيرته.

صنع الرجل فيلمًا مكونًا من 10 شخصيات رئيسية؛ ثلاث عائلات إيرانية تذهب في رحلة للمَصْيَف وبصحبتهم «إيلي»، مُدرِّسة البيانو التي تعرفها إحدى الزوجات وتقترح تزويجها لأحمد العائد من ألمانيا، ومع اختفاء «إيلي» المفاجئ (هناك احتمال أنها غرقت، أو فقط غادرت المكان وعادت لبيتها)، تبدأ الروايات المختلفة بشأن الأحداث الواحدة.

ومن خلال سيناريو عظيم فعلًا لـ«فرهادي»، يخلق واحدًا من أعمق الأفلام التي التقطت فكرة «نسبية الحقيقة» واختلاف المنظور، وبشكل عميق جدًّا؛ لأن رواية كل شخص لا تغير من سرد «الحدث» نفسه، كما تفعل عادةً الأفلام «راشمونية»[2] التوجه؛ ولكن فقط تُطَبِّعه بمنظورها الخاص، وتُبقي «روح» الفيلم حيَّة تحكي عن الأمور التي تسوء أحيانًا بشكل كابوسي دون أن يكون هناك أحد مخطئ؛ لا «إيلي» ولا «زبيدة» ولا «أحمد»، ولا العائلات الثلاث، ولا ذلك العابر الذي يأتي قرب نهاية الفيلم ولا يبدو مستحقًّا أبدًا لما يقع عليه من ألم.

الأمر الآخر في «عن إيلي» هو إظهاره أكثر من الأفلام الثلاثة التي سبقته قدرات «فرهادي» الإخراجية التي تتطور. تتويج الفيلم بجائزة أفضل إخراج في «برلين» لم يكن مصادفة، فمن النادر فعلًا أن نشاهد فيلمًا «دراميًّا» و«عائليًّا» بهذا القدر من الترقب والإثارة والنَّفَس المشدود والتحكم بالإيقاع الداخلي، وحتى على المستوى البصري كانت اختيارات «فرهادي» فعالة جدًّا، وأي مُشاهِد للفيلم لا يمكن أن ينسى لقطة الكاميرا المحمولة الطويلة لحظة غرق «آراش».

5. انفصال نادر وسيمين

فيلم انفصال نادر وسيمين
«انفصال»: وجه «تِرامه» (سيرينا ابنة فرهادي) يحمل تمامًا معنى «أيًّا كان المنتصر؛ ستتحطم قلوبنا»

لا يقف «فرهادي» سينمائيًّا على يسار الدولة؛ ويلتزم بمحاذيرها الرقابية ولا يتطرَّق للتفاصيل التي تجذب الغرب ناحية سينما إيران.

 أخرج «أصغر فرهادي» بعدها بعامين فقط ذروته الثانية؛ فيلمه الأهم والأكثر تقديرًا «انفصال نادر وسيمين».

يضعنا الفيلم داخل قصتين متداخلتين، حربين بين الخيِّرين من جديد؛ فمن ناحية هناك «نادر» و«سيمين»، اللذان نفتتح بهما الفيلم في مشهد لا يُنسى: رغبتها في السفر خارج إيران بحثًا عن حياة أفضل، ورغبته في البقاء من أجل رعاية والده المصاب بـ«ألزهايمر»، قبل أن تنفتح القصة بالبُعد الآخر حين يدفع «نادر»، دون قصد، الخادمة «راضية» على السلم لأنها تركت والده المريض وكادت، دون قصد، تتسبب في موته.

لكن نزيف الخادمة لاحقًا وموت جنينها يضع الطرفين/العائلتين في صراع أمام القاضي/المشاهد. أربع شخصيات، وأربع وجهات نظر، و«فرهادي»، في سيناريو عظيم آخر وقدرة إخراجية كبيرة في شد وَتَر الأحداث والتحكم بالإيقاع الذي لا ينفلت لثانية، لا يجعلنا قادرين على الانحياز لأي طرف أو أن نكون «ضد» أحدهم.

جميع الشخصيات تحمل صلابة كبيرة في وجهة نظرها، جميعها لديها «دوافع» إنسانية قوية حتى حين تكذب أو تراوغ، وتلك المساحة الواسعة جدًّا من «فرهادي» تجاه «تفهُّم» البشر و«التعاطُف» معهم هي ما أخرج «حكاية عائلية» ظنَّ مخرجها أنها «لن تُفهم خارج إيران» من حيزها المحدود، وحوَّلها لفيلم «عالمي» وجماهيري بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

6. الماضي

بعد النجاح التاريخي الذي حققه «انفصال»، انتقل «فرهادي» في رحلة سريعة إلى فرنسا لتقديم فيلم «الماضي» (The Past)، بميزانية أكبر وممثلين أكثر شهرة.

ورغم احتفاظ الفيلم بوحدة المشروع نفسها؛ سواءً من ناحية الصراع بين طرفين لا يوجد بينهما شخص مخطئ بالضرورة، أو استخدام المعلومات والتفاصيل بشكل تراكمي لتغيير النظرة للحدث الرئيسي، فإنه كان عملًا باهتًا أكثر من أفلامه الإيرانية، كأنه لشخص آخر يقلد أسلوب «فرهادي» وليس «فرهادي» نفسه.

توقف الرجل بعدها قليلًا، قبل أن يعود في فيلمه السابع، «البائع» عام 2016، إلى إيران وعالمها الذي يعرفه، والذي تتجلى فيه تمامًا وحدة مشروعه عن مآسي الحياة الحقيقة وقلوبنا التي ستتحطم أيًّا كان المنتصر.

7. البائع: لأن تلك الأشياء تحدث مع الأسف!

فيلم البائع
فيلم «البائع» (2016)

تنويه: الفقرات التالية تحوي حرقًا لأحداث الفيلم.

يبدأ فيلم «البائع» بزلزال يهز إحدى البنايات في إيران، وإثر ذلك ينتقل الزوجان «عماد» و«رنا»، اللذان يؤدي دورهما شهاب حسيني (Shahab Hosseini) و«تِرانه عليدوستي» (Taraneh Alidoosti)، في فيلمهما الثالث مع «فرهادي» والثاني الذي يمثلان فيه معًا بعد «عن إيلي»، إلى شقة جديدة. 

وفي إحدى الليالي، تترك «رنا» باب البيت مفتوحًا ظنًّا منها أن مَن دق جرس البوابة الرئيسية «عماد»، فيقتحم شخص مجهول المنزل ويدخل عليها في أثناء استحمامها ويعتدي عليها (عنف غير جنسي)، قبل أن يترك مفاتيح سيارته وهاتفه ويهرب.

ومن هذا الحدث الرئيسي، يتابع «فرهادي» الفجوة التي تتسع في علاقة «عماد» و«رنا»، ورغبتهما في ملاحقة الجاني.

لساعة وربع تقريبًا من أحداث «البائع»، يبدو الفيلم مفتقِدًا للإيقاع المشدود الذي يميز أفلام «فرهادي»، لكن ذلك يكون مُسبَّبًا مع اعتماده على تراكم التفاصيل الصغيرة التي تأثرت بها حياة البطلين.

مثال ذلك التوترات المباشرة بينهما لأن «رنا» تخاف البقاء وحدها ولا تريد دخول حمام المنزل، أو نوم «عماد» في الفصل خلال حصته الدراسية بسبب الإرهاق، أو اختفاء سيارة الجاني التي تركها تحت البناية، أو الغضب المتنامي ناحية الرجل الذي أجَّر لهما المنزل دون إخبارهما أن السيدة التي سكنته قبلهما كانت «عاملة جنس»، وصولًا لمشهد طويل ومهم وضاغط؛ حين يكتشفان أن النقود التي استخدمتها «رنا» لجلب الطعام هي التي تركها المُعتدي قبل هروبه.

كل تلك التفاصيل اليومية والبطيئة تتراكم ولها معنى، لكن رغم ذلك يبدو الفيلم في تلك المرحلة (التمهيد ثم الحدث الرئيسي ثم التوتر والضغط كبناء معتاد في سيناريوهات «فرهادي») الأقل تماسكًا بين أفلامه الإيرانية كلها، قبل أن يرتقي العمل كاملًا ويتصاعد إلى الذروة مع تتابعاته الختامية الأهم في 45 دقيقة عظيمة سينمائيًّا.

في الخمسة وأربعين دقيقة الأخيرة، يكسر «فرهادي» الصورة الذهنية المعتادة في أذهان الناس عن المعتدي.

نظن في البداية أنه «مجيد»، الشاب، اليافع، القوي، ولكن بعد مشهد متوتر وذكي مع والد خطيبة «مجيد»، نكتشف أن هذا العجوز، الهَرِم، الضعيف، المُصاب بمرض في قلبه، الذي توقف لدقائق ليلتقط أنفاسه بعد صعود السلم، هذا الرجل المخالف لأي صورة ذهنية عن «المعتدي» أو «زائر بيت الجنس» هو في الحقيقة مَن دخل المنزل لأنه رأى الباب مفتوحًا، وظن أن السيدة التي يعرفها هي مَن في الحمام، وفزع حين رأى «رنا»، فاعتدى عليها وفر خائفًا.

في تلك اللحظة يقلب المخرج الطاولة تمامًا، وحين يطلب العجوز، في ذُلٍّ وعجز، المغفرة وعدم فضحه أمام عائلته؛ يمارس «فرهادي» لعبته وأسئلته الأخلاقية المفضلة: لمن ننحاز في تلك اللحظة؟ أو بالأدق، سنكون ضد من؛ ضد العجوز الذي لم يقصد أذى بالزوجة، ودخل البيت بسبب سوء تفاهم وباب مفتوح معتقدًا أن صاحبته السابقة ما زالت تسكنه؟ أم ضد الزوج الذي اهتزت حياته وعمله وعاش أسبوعين عصيبين من الغضب المتراكم تجاه «معتدٍ حقير» لا يعرفه؟

يُراكم «فرهادي» التفاصيل في تلك المرحلة، يمارس تضامنه الإنساني مرة أخرى تجاه الطرفين، يُربكنا جدًّا حين يجعل الجاني ضحية في لحظة، ويحوِّل الضحية إلى جانٍ في اللحظة ذاتها، المُعتدي الذي لا حول له في مُقابل المُعتدَى عليه الذي يملك القوة كلها.

وفي واحد من أجمل التفاصيل، وحين يحبس «عماد» الرجل العجوز في غرفة مغلقة، يطلب منه الأخير أن «يُضيء النور على الأقل»، فيقف «عماد» ثانيتن أو ثلاثًا ثم يفعل؛ لأنه لا أحد هنا شرير أو يرغب في ممارسة الأذى تجاه الآخر، فقط الحياة تضعهم فجأة على طرفي نقيض.

وفي المشهد الختامي الطويل، ذروة الفيلم، حين تأتي «رنا» وتطلب من زوجها أن يترك الرجل يذهب، وحين تزداد توسلات العجوز، وحين ينهار قلبه المُعتل، وحين تُحضر «رنا» له الماء في يدها، وحين تَحضر عائلته وزوجته، وحين يستمر شعور عماد بالغضب وعدم القدرة على المسامحة، فيطلب الحديث معه على انفراد ويضربه قَلمًا واحدًا علَّهُ يرتاح، في كل هذا يُراكم علينا «فرهادي» مزيجًا مدهشًا من مشاعر يحملها أبطاله؛ القسوة والرقة، العنف والتضامن، الانتقام والغفران، وما يبقى لنا هو الشعور بالإرهاق من أن تلك الأشياء تحدث، مع الأسف، دون أن يكون هنالك شخص مُدان بالكامل يمكن أن نحمِّله لعناتنا.

ومع نهاية كل شيء، يخرج الجميع خاسرين كما يحدث في كل أفلام «فرهادي» السابقة، وكما يحدث في كل حروب الخيِّرين التي سردها.

أصغر فرهادي
الصورة: Rick Madonik

«لا أسعى لتقديم إجابات للمشاهِد. لو قدمت له إجابة سينتهي الفيلم في صالة السينما، لكن لو تركت بعض الأسئلة، فالفيلم سيبدأ في الحقيقة بعد أن يشاهده الناس؛ يبقى بداخلهم».

‒ «أصغر فرهادي» في حوار مع صحيفة «الغارديان» البريطانية، يوليو 2011.

قرأتُ ذات مرة حديثًا لـ«إرنست هيمنغواي» (Ernest Hemingway) يقول فيه إن الأعمال الفنية العظيمة هي التي تجعلنا أكثر قدرة على التواصل مع الإنسانية. ورغم أن تعميم الجملة قد يكون ساذجًا، فإنها تنطبق تمامًا على حالة «أصغر فرهادي»؛ فكل عمل من أعماله السبعة في مشروعه، وتحديدًا سداسيته الإيرانية، مساحة متسعة للتواصل والتضامن والمساءلة وتهذيب القلب من الأتربة المتراكمة.

قد لا يكون «فرهادي» مخرجًا استثنائيًّا على المستوى البصري أو على صعيد اللغة السينمائية، لكن قلة من المخرجين يستطيعون صنع هذا الأثر العظيم عن طريق حكايات بسيطة كالتي يسردها.

***

[1] لحقه بعد ذلك فيلم «تاكسي طهران» (Taxi Tehran) لجعفر بناهي، وفاز بالدب الذهبي عام 2015.
[2] راشمونية: نسبة إلى فيلم «راشومون» (Rashomon) إخراج 1950، للمخرج الياباني «أكيرا كوراساوا» (Akira Kurosawa)؛ إذ ارتبطت بالمصطلح كل أفلام، وأحيانًا أدب، نسبية الحقيقة بعد ذلك.

, , ,