الملعب

الساحرة البيضاوية: في العلاقة الملتبسة مع كرة القدم الأمريكية

الصورة: Getty/Dustin Bradford

في إحدى ليالي منتصف التسعينيات، دفعني شغفي المراهق إلى اختلاس لحظات السهر أمام التلفزيون في غياب والدي. كانت القناة الأرضية تبث مباراة كرة قدم أمريكية. على أرضية الملعب رجال مفتولو العضلات يرتدون خوذًا صلبة وأزياء رياضية مدرَّعة، بينما تنتقل الكرة بشكل غير مفهوم في أنحاء الملعب، أو يخترق لاعب جموعًا بشرية إلى أن يسقطه الآخرون، ثم يتوقف اللعب لدقائق.

في تلك الليلة، لعنت القدر الذي لم يترك لي سوى هذه اللعبة التي لا أفهمها على التلفزيون، وإن لم أستطع إخفاء إعجابي بالمباراة كإنتاج فني، فالصيحات تملأ الملعب، وأزياء اللاعبين تجعلهم أشبه بمقاتلي «غلادياتور»، فيما تنقل الكاميرا بين حين وآخر صور حسناوات يرقصن في جوانب الملعب ويمسكن بفتائل مزركشة لامعة، أراها للمرة الأولى، يشجعون بها فريقهم.

ليلتها أغلقت التلفزيون مفضلًا النوم، وبعد تلك الليلة بسنوات قليلة وجدت نفسي وجهًا لوجه مع كرة القدم الأمريكية مرة أخرى.

كان ذلك عند ذهابي للدراسة في مدينة دنفر بولاية كولورادو، إذ استقبلتني في مطار المدينة لافتة كُتِب عليها «أهلًا بك في دنفر، موطن أبطال العالم: دنفر برونكوز». كان الفريق البرتقالي قد ربح كأس «السوبر بول» للسنة الثانية على التوالي في ذلك العام. لم أكن أعرف «البرونكوز» في ذلك الوقت، لكني أعرفهم اليوم حق المعرفة، وأقضي الليالي ساهرًا منتظرًا مواعيد مبارياتهم، التي تكون عادةً بعد منتصف الليل في هذا الجانب من الكوكب.

في المدن الأمريكية التي تضم فرقًا رياضية، يصعب عليك مقاومة متابعة الأحداث، ففي كل مدينة رئيسية تقريبًا هناك فريق لكرة القدم الأمريكية وآخر لكرة السلة وثالث للبيسبول، وأحيانًا بعض الرياضات الأخرى.

تنقسم السنة إلى مواسم رياضية تتناوب على إبقاء المتعة طَوَال العام، فموسم كرة السلة يبدأ في أكتوبر، وتشتد المنافسات فيه من إبريل إلى يونيو حين ينتهي، بينما يبدأ دوري البيسبول في إبريل وينتهي في نوفمبر، أما موسم كرة القدم الأمريكية فيبدأ في سبتمبر وينتهي في فبراير، مشعلين الحماس، ومبقين على توهج وازدهار صناعة الرياضة طيلة العام.

في دنفر، كان «البرونكوز» الفريق الأبرز في المدينة، يليه فريق الهوكي «كولورادو أفالانش». لا زلت أتذكر مشاهدة مباراتي الأولى مع أحد الأصدقاء يتجاوزني خبرةً في معرفة الرياضة الأمريكية، وشرحه لقوانينها المعقدة.

قواعد كرة القدم الأمريكية

الصورة: WikiImages

يتألف الفريق من ثلاث مجموعات: الهجوم والدفاع والفريق الخاص، رغم أن الفريق الخاص لا يفعل شيئًا «خاصًّا».

تُلعب كرة القدم الأمريكية بلعبات متقطعة، إذ يصطف هجوم الفريق أمام دفاع الفريق الآخر على أرض الملعب، ليحاول الهجوم قطع مسافة 10 ياردات خلال أربعة محاولات.

لو فشل الهجوم في تحقيق الياردات المطلوبة، يركل الكرة إلى الفريق الآخر الذي يحاول بدوره. في حال حقق الهجوم الياردات العشرة، أو أكثر في عديد من الأحيان، يحصل على أربعة محاولات إضافية لإدراك 10 ياردات إضافية، وهكذا حتى بلوغ الخط النهائي للملعب حيث المرمى، فيحصل الفريق على نقاط الـ«Touchdown» الستة، متبوعةً بفرصة لتسجيل نقطة إضافية عن طريق ركل الكرة نحو الهدف، وهو عامودان أصفرا اللون خلف منطقة الـ«Touchdown».

بإمكان الفريق الحصول على نقطتين إضافيتين في حال قرر تسجيل «Touchdown» آخر بواسطة فريق الهجوم، وتضطر بعض الفرق لهذه المحاولة عند الحاجة فقط، حتى لا تفرِّط في النقطة المضمونة عبر التسديد على الهدف. لذلك، تتوقف المباراة بعد كل محاولة من المحاولات الأربعة، ويصطف فريقا الهجوم والدفاع مرة أخرى للعبة جديدة.

برغم كمية الإثارة والتراشق البدني، فإن كرة القدم الأمريكية ليست لعبة «آكشن» مستمر طَوَال الوقت. المتعة الحقيقية في اللعبة تكمُن في التخطيط المفصَّل لعناصرها كافة، فلكل لاعب حركات محسوبة ومحددة وفقًا للخطة الموضوعة لكل هجمة من الهجمات الـ60 التي يشنها الفريق في المتوسط خلال المباراة.

يتألف الفريق من ثلاث مجموعات/فرق مختلفة: الهجوم، الدفاع، الفريق الخاص (Special Teams)، والأخير على الأرجح يحمل اسمًا أهم من دوره الفعلي، إذ يقتصر ما يفعله على ركل الكرة أو استقبال الركلات فقط. وفي كل الأحوال، لا يجوز لأكثر من 11 لاعبًا أن يكونوا على أرض الملعب لكل فريق خلال اللعب. لذلك، تضم قائمة الفريق لكل مباراة 46 لاعبًا، يتوزعون على المجموعات المختلفة في الدفاع والهجوم والفريق الخاص.

تنتقل الكرة خلال اللعب بإحدى طريقتين: إمساك الكرة والجري بها إلى الأمام، وتسمى «Run»، وعادةً ما يختص بهذه الحركة مركز الظهير المساعد (Halfback)، أو عن طريق تمرير الكرة في الهواء مِن قِبل الظهير الرباعي (Quarterback) إلى أحد اللاعبين الذين ينتشرون في الملعب، وفق خطط ترسم تحركات مدروسة لا يعلمها دفاع الفريق الخصم، سعيًا إلى التوغل بشكل أكبر في مساحات الملعب، وهذه الطريقة تسمى «Pass».

بعكس كرة القدم التقليدية، التي يملك فيها اللاعبون حرية الحركة والابتكار المستمر في المباراة، فإن الأمريكية تعتمد على خطط مرسومة لكل لاعب في كل لعبة، تشمل خطواته واتجاهات تحركه بشكل واضح ومحدد. هذا يعني أن كَمَّ الخطط المتاحة للدفاع والهجوم ضخم جدًّا، ممَّا يستلزم حفظ اللاعبين للخطط التي يحددها المدربون، في ما يعرف بالـ«Playbook»، أو كتاب الألعاب، والتدرب على تطبيقها قبل بداية الموسم وقبل كل مباراة.

تطبيق عملي لخطط الـ«Playbook»: على اليمين خطة الهجوم للتمرير عبر الهواء باللون الأزرق، مقابل خطة الدفاع باللون الأسود، وبإمكانك ملاحظة «معارك» اللعبة المختلفة. على اليسار خطة الهجوم للعبة معنيَّة بالجري بالكرة، لاحظ كيفية تموضع لاعبي الخط، كلٍّ بشكل مختلف، لإفساح المجال للظهير لاختراق دفاع المنافس

 

لا تترك كرة القدم الأمريكية مجالًا واسعًا للارتجال خارج القواعد المحددة الصارمة لكل لاعب في كل خطة، ولعل هذا ما يجعلها لعبة فريدة، فكرة القدم الأمريكية لعبة فردية وجماعية في آنٍ واحد، حرب بين فريقين، تنقسم إلى معارك فردية بين كل لاعب ونظيره في الفريق الآخر،  كلٌّ منهم يحاول أداء دوره وفق خطة الفريق، وتنجح اللعبة بتنفيذ كل لاعب دوره على أكمل وجه، ليكمل بذلك الجهد الجماعي الذي ينقل الفريق إلى الأمام، فالجماعة لا تنتصر إلا بقيام كل فرد بواجبه على أكمل وجه.

يستمر الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية لخمسة أشهر، تنتهي في فبراير بمباراة «السوبر بول» التي تحدد «بطل العالم» للموسم.

تحدد قوانين اللعبة وقت المباراة بـ60 دقيقة تنقسم إلى أربعة أشواط، بينما يمتد الزمن الذي تستغرقه المباراة الواحدة إلى ثلاث ساعات أو أكثر، بسبب القوانين التي تستوجب إيقاف زمن المباراة في عديد من الأحيان (تمريرة غير مكتملة، خروج/إخراج اللاعب من أرض الملعب، إلخ)، بالتالي لا يمكن للمُشاهد أن يتابع مباراة كاملة في أقل من الساعات الثلاثة.

المفارقة أن زمن اللعب الفعلي (تناقُل ولمس الكرة بين اللاعبين) يكون نحو 11 دقيقة، بمتوسط أربع ثوانٍ لكل لعبة/محاولة هجومية، وقد جربت متابعة الوقت في إحدى المباريات بعد معرفتي تلك المعلومة وثبت صدقها، إذ لم يتجاوز وقت اللعب 12 دقيقة. أما الـ169 دقيقة المتبقية فتنقسم بين 17 دقيقة لإعادة اللعبات (أكثر من الوقت الفعلي للعب)، و75 دقيقة لمشاهد اللاعبين يتحدثون أو يتجولون في الملعب، مع حديث المعلقين في انتظار اللعبة المقبلة .

يستمر الدوري الوطني «NFL» لخمسة أشهر، تنتهي في فبراير بمباراة «السوبر بول» التي تحدد «بطل العالم» للموسم المنصرم. تلعب معظم الفرق أسبوعيًّا يوم الأحد، الذي يضم نحو 13 مباراة، بينما تُلعب مباراة واحدة يوم الإثنين، وفي بعض الأحيان أيام الخميس.

طبيعة الاستمرار والتوقف التي تتمتع بها كرة القدم الأمريكية جعلتها هدفًا جذابًا للمعلنين، بعكس كرة القدم التقليدية، التي تُرغم القائمين عليها على ابتكار أشكال مختلفة للإعلان خلال دقائقها الـ90. وربما هذا ما أسهم في جعل كرة القدم الأمريكية اللعبة الأكثر شعبيةً في أمريكا، فمن مصلحة القائمين عليها والمعلنين ووسائل الإعلام الإبقاء على شكلها الحالي وترويجها بكثافة، كونها سوقًا كبيرًا للإعلانات التي تؤدي إلى مزيد من المبيعات .

If It’s Sunday, It’s Football

الصورة: Mike Meares

نجح الأمريكيون في تحويل الرياضة إلى صناعة مزدهرة، فمن المتوقع أن يبلغ حجم عائدات صناعة الرياضة في أمريكا الشمالية 69 مليار دولار عام 2017، الحصة الأكبر منها لكرة القدم الأمريكية، التي ستحصد نحو 14 مليار دولار. وأعلن المدير المفوض لرابطة الدوري الأمريكي، «روجر غوديل»، أنه يتطلع إلى أن يبلغ الدخل السنوي للرابطة 25 مليار دولار بحلول عام 2027.

هذه الأرقام تجعل دوري كرة القدم الأمريكية أكثر الصناعات نجاحًا من حيث الإيرادات، إذا ما قورنت بالبيسبول التي حلَّت ثانيةً في عام 2016 بعائدات قدرها 10 مليارات دولار، بينما قُدِّرت إيرادات دوري كرة السلة بثمانية مليارات دولار في العام نفسه. وتتجاوز عائدات صناعة الرياضة الأمريكية نظيرتها الأوروبية، إذ حقق الدوري الإنجليزي لكرة القدم التقليدية عائدات بلغت 4.7 مليار دولار في 2016، وحقق الدوري الإسباني 3.6 مليار دولار، أي نحو ربع ما ربحه دوري كرة القدم الأمريكية.

تتنوع مصادر دخل رابطة دوري كرة القدم الأمريكية، التي يُشرف عليها مُلَّاك الفرق، إذ تشمل حقوق النقل التلفزيوني والرعايات المختلفة، بالإضافة إلى تراخيص استخدام العلامات التجارية للدوري والفرق على مختلف المنتجات.

يقوم النظام على تقاسم الإيرادات بشكل متساوٍ بين الفرق، إلا أن هناك فرصًا أخرى للفرق لخلق إيرادات إضافية خارج إطار الرابطة، عن طريق مبيعات التذاكر والفرص الإعلانية المحلية الأخرى، ممَّا يجعلها تجارة مربحة.

فرق كرة القدم الأمريكية ملكيات خاصة لشخصيات لها أعمال تجارية أخرى، الأمر الذي يجعل الدوري أشبه بتسلية لبعض رجال الأعمال، يدخلون المجال إما بدافع حب اللعبة أو بقصد الوجاهة، فهي في الغالب لا تشكل مصدر دخلهم الرئيسي. ومن الطبيعي في دوري كرة القدم الأمريكية أن ترى مالك الفريق يتدخل في إدارته، أو حتى يديره بنفسه، ويمارس نفوذه في بعض الأحيان مع رابطة الدوري أو جهات أخرى لتحقيق ما يريد من تسهيلات لفريقه.

يتخلل المباراة الواحدة لكرة القدم الأمريكية 20 فاصلًا إعلانيًّا تضم نحو 100 إعلان، تأخذ 60 دقيقة من الساعات الثلاثة التي يستغرقها البث.

نجح اقتصاد اللعبة في خلق أجواء مهيبة لمتابعتها، إذ يجتمع الملايين من محبي كرة القدم الأمريكية في الملاعب والبارات والمنازل يوم الأحد، في طقوس مقدسة يتابعون فيها أكثر من 13 مباراة على ثلاث فترات تحتل اليوم كله. فهناك مباراة وقت الظهيرة، تبدأ الساعة الواحدة ظهرًا بالتوقيت الشرقي، وهناك موجة المباريات التي تليها في الساعة الرابعة، وأخيرًا هناك مباراة ليلة الأحد، التي تُعَد في خانة الـ«Prime Time»، إذ تحظى بنسب مشاهدة أعلى وتُبَث على قنوات التلفزيون المفتوحة على المستوى الوطني.

هنا يتجلى دور هذه الصناعة المحفز للاقتصاد، فبخلاف صناعة الإعلام التي تزدهر من محللين وقنوات ونقل تلفزيوني وبرامج مخصصة، هناك صناعة قائمة على دوري كرة القدم الأمريكية تسمى «Fantasy Football»، ويبلغ حجمها سبعة مليارات دولار سنويًّا، وتقوم على فكرة تنافس أشخاص عاديين من محبي اللعبة على التظاهر بامتلاك فريق ولاعبين حقيقيين، والحصول على نقاط مقابل أدائهم في كل مباراة.

علاوةً على ذلك، تعمل المطاعم والبارات على تلبية طلبات المشاهدين من طعام وبيرة أيام المباريات، وتبيع المحلات أزياء الفرق وإكسسواراتها للمشجعين طيلة الموسم في كل أنحاء البلاد، بينما يستغل المعلنون الوقت الذي يقضيه الملايين أمام التلفزيون للإعلان عن منتجاتهم، إذ يتخلل المباراة الواحدة 20 فاصلًا إعلانيًّا تضم نحو مئة إعلان، تأخذ 60 دقيقة من الساعات الثلاثة التي يستغرقها البث.

الجانب المظلم

مشهد من فيلم «Any Given Sunday» عن كرة القدم الأمريكية

يعاني كثير من اللاعبين السابقين لكرة القدم الأمريكية من آلام منهكة في أجسادهم، ويعاني آخرون من الخرف والاكتئاب.

في فيلمه «Any Given Sunday» الذي تناول اللعبة، يعمد المخرج «أوليفر ستون» إلى رسم مقارَبات بين صناعة الترفيه الرياضي في كرة القدم الأمريكية وزمن المصارعين الرومان «الغلادياتورز»، ويتجلى ذلك في مشهد عشاء يجمع بطلي الفيلم «آل باتشينو» (المدرب) و«جيمي فوكس» (الظهير الرباعي)، بينما يُعرض فيلم «Ben Hur»، الذي يحكي قصص تلك الحقبة، في خلفية المشهد. ينتقل ستون بين حوار بطلي فيلمه ومشاهد سريعة من ذلك الفيلم التاريخي، ليبين قساوة الواقع الذي يعيشه العاملون في تلك الصناعة.

لعل المقارَبة التي نقلها ستون على الشاشة ليست بعيدة جدًّا عن الواقع، فاللاعبون «غلادياتورز» ليس لقتالهم وشدة بأسهم فحسب، بل لأنهم مرتبطون كذلك بمُلَّاكٍ يستعرضون قدراتهم ويفخرون بهم أمام الناس ليجنوا من ورائهم الأموال، بينما يتجول مدربوهم خلف الكواليس، في أروقة «الكولوسيوم»، يحثونهم على بذل المزيد.

اللعبة، كعديد من الألعاب الأخرى، أشبه بمعركة، بل تتفوق على الألعاب الأخرى في قربها من مفهوم المعارك الحربية، فلا يكفي في كرة القدم الأمريكية أن يكون اللاعب لائقًا بدنيًّا، بل عليه أن يتفوق في القوة والمهارة والذكاء على خصمه الذي سيصارعه طَوَال المباراة على امتداد المراكز الـ11.

كذلك، تُقارِب المصطلحات الإنجليزية المستخدمة في المباراة تلك التي تُستخدَم في الحروب، مثل «الخنادق» (Trenches) في إشارة إلى لاعبي خطَّي الدفاع والهجوم، واستخدام «Blitz»، وهو أسلوب الهجوم النازي في الحرب العالمية الثانية، لوصف أحد أنماط اللعبات الدفاعية.

الجو العام للاعبين والمباراة يمنحك شعورًا بأنك تشاهد محاربين قدماء، أو ربما يكونون من المستقبل. وكما في المعارك والحروب، تأتي فواجع الجرحى والقتلى تباعًا، وقد ازداد الوعي بمخاطر اللعبة على أدمغة اللاعبين في السنوات الأخيرة بفضل القضايا التي رُفعت في المحاكم، وبالطبع بسبب «ويل سميث».

يعاني كثير من اللاعبين السابقين لكرة القدم الأمريكية من آلام منهكة في أجسادهم، ويعاني آخرون من الخرف والاكتئاب.

«مايك ويبستر»، أحد أبرز لاعبي فريق «بيتسبرغ ستيلرز» وعضو «رواق مشاهير كرة القدم الأمريكية»، انتهت حياته بعد اللعب إلى أن يكون مشردًا ومدمنًا للكحول، وتوفي بسكتة قلبية عام 2002. بعدها بثلاثة أعوام، انتحر لاعب آخر من نفس الفريق، «تيري لونغ»، بتناول محلول كيميائي. وفي نوفمبر 2006، أقدم «آندريه ووترز» مدافع فريق «فيلاديلفيا إيغلز» على الانتحار بعد صراع مع الاكتئاب الشديد.

خبير أمراض الأعصاب والطب الشرعي «بينيت أومالو» درس أنسجة اللاعبين الثلاثة، واكتشف نمطًا متكررًا بتركُّز نوع غير طبيعي من البروتين، يسمى «تاو»، في أدمغتهم، وهو بروتين عادةً ما يشكل وجوده علامة من علامات مرض ألزهايمر.

أعلن أومالو أن أنسجة دماغ ووترز، الذي انتحر في الرابعة والأربعين، تفسَّخت وصارت تشبه دماغ رجل في الخامسة والثمانين من عمره ويحمل أعراض مرض ألزهايمر. ويعتقد الرجل أن هذا التراجع في حالة الأنسجة نَجَم عن ارتجاجات متكررة للدماغ على مدار السنين، وسُمِّي هذا المرض «تلف الدماغ المزمن» (Chronic Traumatic Encephalopathy).

العوارض الصحية - اللعب تحت الألم

دفعت نتائج أومالو رابطة دوري كرة القدم الأمريكية إلى التحقيق في الأمر، فخلصت إلى عدم وجود دليل يربط إصابات الرأس المتكررة في الملاعب بحالات تلف الدماغ، ودافعت عن هذا الرأي حتى أمام تحقيقات الكونغرس الأمريكي.

في فبراير 2011، أقدم «ديف دويرسون» على الانتحار نتيجة الاكتئاب، مصوبًا فوهة المسدس نحو صدره بدلًا من رأسه، حتى يتسنى للباحثين دراسة آثار اللعبة على دماغه. وفي ذات العام، رفع عدد من اللاعبين دعوى جماعية ضد رابطة دوري كرة القدم الأمريكية، يتهمونها بخداع اللاعبين وإخفاء وتجاهل أدلة حول أخطار اللعبة المستدامة على الدماغ.

لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، ففي عام 2012 انتحر «جونيور سياو»، لاعب فريق «سان دييغو» السابق وأحد أشهر مدافعي اللعبة، بإطلاق النار على صدره، بعد أن عانى لسنوات من الأرق والاكتئاب والتقلبات غير المفهومة في مزاجه. لم يترك سياو سوى ورقة كتب فيها كلمات الأغنية المفضلة لديه «Who I Aint»، التي تحكي قصة رجل يأسف لِما وصل إليه حاله. قررت أسرة اللاعب التبرع بدماغه لأجل البحث العلمي، وفي عام 2013 أُعلن أن أنسجته احتوت ذات الصفات الموجودة في المصابين بتلف الدماغ المزمن.

أعطى مقتل جونيور سياو زخمًا كبيرًا للقضية التي تنظرها المحاكم، التي رفعها أكثر من ثلاثة آلاف لاعب متقاعد ضد رابطة الدوري، ممَّا دعا الرابطة إلى الوصول إلى تسوية مع اللاعبين بلغت مليار دولار، لتغطية نفقات علاجهم والإنفاق على البحث العلمي لمعرفة المزيد عن طرق تفادي تلك الارتجاجات عند اللاعبين. غير ذلك، بدأت الرابطة، ولا تزال، تعدل بعض قوانين اللعبة بما يضمن سلامة اللاعبين.

العنف الأُسَري

لاعب كرة القدم الأمريكية «راي رايس» يضرب خطيبته في المصعد

سلَّطت حادثة «راي رايس» الضوء على تورط لاعبي كرة القدم الأمريكية في حوادث العنف الأسري، وطريقة تعامل الدوري مع قضايا العنف ضد المرأة.

في مارس 2014، انتشر مقطع فيديو للظهير المساعد لفريق «بالتيمور ريفنز» وأحد أبرز لاعبي الدوري، «راي رايس»، يضرب خطيبته بعنف أفقدها الوعي في مصعد أحد فنادق مدينة أتلانتيك سيتي.

أثار تعامل رابطة الدوري مع الحادثة فزع كثيرين، فهي لم تهتم بما يكفي بالتصرفات الشخصية للاعبين الذين يُفترض أن يكونوا مثالًا جيدًا في المجتمع، واكتفت فقط بإيقاف رايس عن اللعب لمباراتين، وهو ما أثار حفيظة الناس، خصوصًا بعد ظهور فيديو جديد يبين وحشية اللاعب، ممَّا دعا فريقه إلى إنهاء تعاقده، ثم شطبته الرابطة من السجلات.

سلَّطت الحادثة الضوء على العدد الكبير من اللاعبين الذين تحتجزهم الشرطة بسبب لجوئهم إلى العنف الأسري، وأبقت الضوء مُسلَّطًا على طريقة تعامل الدوري، وهو عالم مليء بالرجال، مع قضايا العنف ضد المرأة والأطفال.

أصبح بروز قضايا العنف الأسري والجرائم عند لاعبي كرة القدم الأمريكية ظاهرة سنوية، وتحاول رابطة الدوري التعامل مع الأمر بجدية أكبر، عن طريق توقيع عقوبات أقسى وإطلاق برامج توعية للاعبين. برغم ذلك، يتواصل السجل الإجرامي وسجل الاعتداءات على المرأة من اللاعبين وسط اهتمام ظاهري من رابطة الدوري، فهي في نهاية المطاف تتبع مُلَّاك الفرق، الذين لا يريدون إيقاف لاعبيهم عن المشاركة في المباريات.

في عام 2016، أطلقت الرابطة حملة إعلانية بعنوان «كرة القدم هي العائلة»، في محاولة لتحسين صورة اللعبة أمام الجمهور، الأمر الذي دعا «بوب كوستاس»، أحد أشهر المعلقين والمحللين الرياضيين الأمريكيين، إلى التهكم على عنوان الحملة: «هذا بالضبط ما أفكر فيه عندما أسمع أن 25 إلى 30% من اللاعبين، باعتراف الرابطة، لديهم صعوبات في الإدراك بسبب الإصابات، أو عندما أرى عددًا كبيرًا من اللاعبين (والقائمين على اللعبة) يتصرفون كأنهم لصوص ومجرمين، فالمنظر الذي يخطر ببالي لن يكون لوحة لنورمان روكويل».

الصورة: Getty/Al Bello

باتت هذه الأفكار تتراكم في ذهني كلما شاهدت مباراة خلال السنتين الماضيتين، فكيف يمكننا، كجمهور، الاستمرار في متابعة رياضة تحمل كل هذا الجانب المظلم بغرض التسلية؟

إلا أن كتابتي لهذا الموضوع جعلتني أرى زاوية جديدة للمعضلة، فكرة القدم الأمريكية لعبة قاسية قسوةَ الحياة، تستنطق غرائزنا البشرية عبر النشاط البدني والذهني الذي يقوم به اللاعبون، وهو نشاط يتطلب مقاييس عالية من التدريب والاتقاد والتركيز.

لا يتوقف هذا عند المستطيل (الأمريكي) الأخضر، بل يتجاوزه إلى تمايُل المشجعات الحسناوات على أطراف الملعب، والإعلانات التي تذكرنا بحالتنا الإنسانية: خمور، سيارات، حبوب منشطات جنسية، أفلام تافهة نتابعها أحيانًا.

تبدو تجربة مشاهدة اللعبة مقارِبةً للعيش في هذه الحياة، الإنتاج الفني الأكبر في تجربتنا الوجودية، والأكثر إبهارًا، وكل ما دون ذلك. يكمُن سحر هذه اللعبة في أنها حرب كبيرة بين الإنسان والحياة، تتخللها معارك صغيرة بين كل مشارك وعدوِّه، سواء كان شخصًا على أرض الملعب أو فكرة ملعونة تُقلق رأسه، حتى ينتصر فيبلغ النشوة. إنها ساحرة رغم ضراوتها، أو ربما بسببها.

في «الشروط والأحكام» خلف تذكرة دخول مباريات كرة القدم الأمريكية كُتب: «لأغراض الترفيه فقط».