الشاشة

«إسكندرية كمان وكمان»: يوسف شاهين يواجه يوسف شاهين

الصورة: أفلام مصر العالمية

ملحوظة: يحتوي هذا الموضوع على حرق لأحداث عدة أفلام سينمائية.

«… وفي آخر الرحلة، في آخر الرحلة الطويلة، هتقابل اللي أصعب من الشيطان.. هتقابل نَفسك» - الجملة الختامية من فيلم «الاختيار» إخراج يوسف شاهين 1971.

في عام 1976 كان يوسف شاهين في الخمسين من عمره، يحمل وراءه عددًا كبيرًا من الأفلام، ويشعر بأنه أفرغ كل ما في جوفه من حكايات أو أفكار، ولم يعد لديه إلا السنوات الخمسون ذاتها. في تلك اللحظة، التفت إلى نفسه.

الحركة إلى الداخل لم تكن «نرجسية فارغة»، بل محاولة فهم أعمق لذاته وعالمه. «كل واحد فينا أعرج بطريقته»، كما يقول في أحد الأفلام، لذلك كان يحاول أن يفهم عَرَجه. والملاحظة عن ذلك (ليست سلبية ولا إيجابية) أن فيلميه الأوليين في الثلاثية الذاتية: «إسكندرية ليه» (1978) و«حدوتة مصرية» (1982)، كانا داخل ذكرياته، الذكريات البعيدة جدًّا عن «جيله» وعائلته. صحيح أنه يحاول طرق بعض الأبواب الموصدة في نفسه: «يعمل فيلم ونقول وتقول»، لكنه يتحدث عن الماضي، عن جروح قديمة ويابسة.

في المقابل، «إسكندرية كمان وكمان» فيلم عن الدم السائل في تلك اللحظة، عن هنا والآن، عن يوسف شاهين في الرابعة والستين من عمره: مجروح جدًّا، ومهزوم جدًّا، ويقف أمام الشاشة دون حائل، دون حتى جسد ممثل آخر، لفتح كل مسامه: التعبير عن ألمه ومواجهة نفسه.

في سبيل ذلك، يكتب يوسف شاهين (بمشاركة يسري نصر الله وسمير نصري) أكثر أفلامه تعقيدًا وتداخلًا وانفتاحًا في آن واحد. محاولة صادقة جدًّا في ألا يغلق عينيه أكثر من ذلك عن الجروح التي تركها وراءه لسنوات.

وهو في هذا الفيلم تحديدًا، لا يحادث إلا نفسه: رجل عجوز يقف أمام المرآة، يقطع شرايينه على خام 35 مليمترًا من أجل التصالح مع واحدة من أصعب فترات حياته وأقساها. ولن يتواصل إلا مع من يهمُّه الأمر.

سرد الفيلم شديد التعقيد والتداخل. يدور في أزمنة «واقعية» مختلفة، و«خيالات» صانع الفيلم: أحلامه وذكرياته، مع خط لواقع موازٍ، وعلى قدر ما يبدو ذلك شديد العشوائية و«الهرجلة» في بعض اللحظات، فهو في حقيقة الأمر مَنظوم داخل نص سينمائي متماسك وواعٍ جدًّا لما يحكيه. هذا التحليل محاولة لمقاربة الفيلم من خلال تفكيك السيناريو وما يدور عنه.

يبدأ الفيلم بتترات لمدة دقيقتين، بأغنية «أكون أو لا أكون» المستلهَمة من نص مسرحية شكسبير «هاملت». الكلمات تلقي بظلها على الأحداث، عن بطل مهزوم يريد الوقوف على أرض صلبة تجاه نفسه وعالمه، والاستخدام المتكرر للآهات يولِّد حالة شعورية منذ اللحظة الأولى: «هذا فيلم عن الألم».

الفصل الأول: عمرو يغادر يحيى (من الدقيقة 2:00 إلى 9:47)

في المقام الأول، والطبقة الخارجية الأساسية، تلك حكاية حب منتهية. يوسف شاهين يرمي بذلك منذ المشهد الأول.

افتتاحية الفيلم: عمرو يغادر

عمرو (الموازي الدرامي لمحسن محيي الدين الذي أدى دور البطولة في أربعة أفلام متتالية لشاهين بين إسكندرية ليه (1978)، واليوم السادس (1986)، يقرر في اللحظة التي يبدأ فيها الفيلم أن يغادر يحيى)، «عايز أستقر، أشوف مستقبلي بطريقتي، أتجوز وأجيب عيال وأبقى عادي».

في المقابل، يحيى الموازي الدرامي لشاهين ويؤدي دوره بنفسه، يشعر بألم من ذلك، لسببين واضحين: الأول أنه يحب عمرو، وسيؤثر فيه كثيرًا أن يغادر. والثاني حلم فيلم «هاملت»، شخصية شكسبير التي يرى شاهين أنها تحمل كل عُقَدِه التي يرغب في التحرر منها وهو في الستين من عمره، وعمرو الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن يفعل ذلك: «هاملت ده حلم وهنحققه سوا».

يرد عمرو في جملة لها أهميتها الشديدة التي ستتضح أكثر لاحقًا: «انتَ بتحلم بيه، أنا لأ».

المشهد التالي يدور في عقل يحيى وهو يتخيل، في واقع موازٍ، أنه بدأ تصوير هاملت مع عمرو بالفعل، قبل أن نعود إلى الواقع: عمرو غادر.

في المشهد الأخير من الفصل الأول، يغادر يحيى الإسكندرية من أجل النقاهة، يجلس معه جندي، الموازي الدرامي لشخصية المخرج يسري نصر الله الذي كان رفيقه ومساعده في تلك الفترة (تحليل وليس معلومة)، ويعبر يحيى عما يشعره به: «إنسان حي قدامك مفروض تعتبره ميت، الابن الضال، جَحيم»، قبل أن يذهب إلى نقطة أخرى لها علاقة بأن عمرو وسيلته لتحقيق أحلامه السينمائية التي لم يفعلها صغيرًا: «ده يشبهني أكتر ما أشبه نفسي».

«جندي» يطلب من يحيى أن يكتب: «لو صفحة واحدة مش هزعل»

يستطرد يحيى بأنه لا يشعر حتى بشيء لكتابته: «صفر قد الدنيا»، فيرد جندي بتعجب: «سنتين وصفر يا يحيى؟ ده انتحار بقى». وتكون اللحظة الوحيدة التي يُشار فيها إلى أن مغادرة عمرو مضى عليها زمن، ولذلك، المشهد الأول فلاش باك إلى عام 1985 لأن الزمن الحالي 1987. يطلب منه أن يكتب، وأنه سيغادر الآن، ويريد عدة صفحات مكتوبة حين يعود. يضع يحيى موسيقى في أذنه وهو بمفرده في الغرفة، ويتذكر.

عند تلك النقطة ينتهي الفصل الأول من الفيلم. ويمكن هنا أن نطرح سؤال: عم يدور هذا الفيلم فعلًا؟
في الرحلة الخارجية للبطل، وهي الظاهرة حتى تلك اللحظة، هناك:

  1. ألم يحيى من مغادرة عمرو ورغبته في تجاوزه
  2. حلم يحيى الذي لا يتوقف بـ«هاملت» كوسيلة للتحرر من الجروح وشعوره بأن هذا الحلم لن يتحقق بعد رحيل عمرو

من أجل الاثنين، يحاول الكتابة، كتابة فيلم، كما طلب منه جندي.

الفصل الثاني: برلين 1978 (من 9:47 إلى 18:30)

ذاكرة يحيى في أثناء الكتابة، في نهاية المشهد/الفصل السابق تعيدنا إلى فلاش باك طويل.

عمرو ويحيى بعد الفوز بجائزة «إسكندرية ليه؟»

عودة بالزمن تسع سنوات، إلى اللحظة التي كانت كل الأحلام فيها ممكنة، والوصول إلى السماء أمرًا واردًا جدًّا، رحلة يحيى وعمرو إلى مهرجان «برلين» مع «إسكندرية ليه»، والفوز بجائزة «الدب الفضي»، والرقص في شوارع برلين، بكثير من الحب والأحلام.

إلى أي مدى كان يحيى ديكتاتورًا يُبيح لنفسه التحكم في الناس ومصائرهم بمبرر محبته لهم؟

يحمل الفصل محادثة طويلة، لها علاقة مرة أخرى بـ«أحلام» يحيى، بشأن هاملت وعمرو. يقول له الفتى: «هبقى مخرج كبير زيك لما أكبر»، فيرد بيقين: «هتبقى أعظم ممثل في العالم»، «وبما إنك أنا على أحسن، متخيل مسؤوليتك دي قد إيه؟»

الرقص في شوارع برلين

مع إعادة مشاهدة الفيلم، تبدو تلك اللحظة السعيدة محورية من جانب آخر: هل أحب يحيى عمرو؟ أم أحب الصورة التي خلقها له؟ أحب أنه «يشبهه أكثر ما يشبه نفسه»؟ هل كان على استعداد لقبول اختياراته، أم أراد قولبته في الذي اختاره له بالفعل؟ هل كان يحيى أنانيًّا وقاسيًّا جدًّا رغم محبته التي تسع العالم؟

تلك الأسئلة ما يربطنا بجوهر الفصل الثالث: علاقة عمرو بيحيى في سياق أوسع له علاقة بالـ«تحكم/السلطة/الديكتاتورية»، وعلاقة يحيى بنفسه، وإلى أي مدى هو ديكتاتور حقيقي يُبيح لنفسه التحكم في الناس ومصائرهم بمبرر محبته لهم؟

الفصل الثالث: اعتصام النقابة/فيلم الإسكندر (18:30 إلى 31:45)

عودة إلى الحاضر (1987)، يحيى يوصل زوجته إلى المطار. في الطريق تخبره بواحدة من أجمل جمل الفيلم وأكثرها حزنًا: «يحيى، انسى هاملت وعمرو». حزينة لأنها تأتي من شخص يعرف استحالة النسيان، وإلى شخص لا يقدر عليه، ولذلك هي مليئة بالأسى. إنها كذلك جملة مهمة لأن تلك هي رحلة الفيلم بالضبط، ولكن بتعديل بسيط: تجاوز هاملت وتجاوز عمرو.

بعد المطار، وتمامًا في بداية الفصل الثالث كشكل البناء الكلاسيكي، يبدأ «الحدث» المحوري الأهم في الحكاية: اعتصام الفنانين في نقابة المهن السينمائية عام 1987.

لا يوجد شرح في الفيلم لأنه لا يهتم بالشرح في أي لحظة. لكن تلك اللحظة مهمة لأنها كانت ثورية مقارنة بزمنها. شهدت تضامنًا مدهشًا من الفنانين ضد تعديل قانون النقابة رقم 103 الذي يتيح الفرصة لسعد الدين وهبة، نقيب السينمائيين الذي انتهت دورتاه، أن يستمر نقيبًا مدى الحياة، فاعتصم الفنانون ضد ذلك، وهي اللحظة التي يلقطها شاهين ويحتفظ بتاريخ غير رسمي على خام 35 مليمتر.

اجتماع النقابة الأول

السؤال، ومن ناحية تقنية بحتة: ما علاقة قصة النقابة والاعتصام والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، بالحكاية الذاتية الأساسية عن رجل متألم من رحيل من يُحب؟

الإجابة في أسئلة الفصل السابق عن ديكتاتورية يحيى نفسه وتسلطه. تتحول الرحلة هنا إلى الداخل، ما زال الهدف الخارجي هو التحرر من عمرو وهاملت. لكن في تلك اللحظة هناك رحلة داخلية تبدأ: مواجهة يحيى لقسوته ومساءلة الجانب السلطوي في نفسه.

من تلك النقطة أيضًا، تأتي أهمية قصة «إسكندر الأكبر»، الفيلم الذي يحاول كتابته داخل الفيلم، لأننا حين نذهب في استعراض طويل مدته سبع دقائق، يكون جوهره سؤال السلطة والصلة بين الحاكم والمحكوم، وهو أمر مرتبط باعتصام النقابة، وجوهره أيضًا هو دفاع يحيى عن نفسه بالجملة الغنائية: «طب خد عينيا وشوفه بيها». كأن تلك الجملة مبرر تسلطه: هل المحبة مبرر للتسلط؟

تتبلور الأمور تمامًا في هذا الفصل:

الرحلة الخارجية:

  1. تجاوز رحيل عمرو
  2.  تخطي هوس هاملت

الرحلة الداخلية: مواجهة يحيى لنفسه: أخطاؤه وأنانيته وتسلطه والاشتباك داخل ذاته.

الفصل الرابع: ظهور نادية وارتفاع حدة الاعتصام و«كان» 85 (31:45 إلى 53:29) 

عند العودة من الأوبريت، يبدأ الفصل الرابع بلقطة طويلة ينظر فيها يحيى نحو نادية، الشخصية التي ظهرت سريعًا في الفصل السابق. لكن هنا يضعها في البؤرة، منجذبًا إليها تمامًا.

الشابة المندفعة المتحمسة التي تريد أن يكون لها صوت وترى أن ذلك من حقها، تشبه ما يحبه في الناس، وتتماس مع سؤاله الحالي عن السلطة والأبوية والحكم، لأنها ثائرة وساخطة على كل هذا. في هذا السياق يأتي «سكيتش» خيالي ينحت فيه قدمها، وهو مشهد كاريكاتيري ضعيف نسبيًّا، أهميته الوحيدة هي تعزيز اهتمام يحيى بنادية في تلك اللحظة.

يحيى يرى نادية لأول مرة

من ناحية أخرى، ترتفع حدة الاعتصام. يبدأ الإضراب عن الطعام، يأتي النقيب الذي يجسد دوره سيف الدين كأنه استمرار لنفس شخصيته «المثقف المتسلط» التي ظهرت في «حدوتة مصرية».

يحضر وفد من رئاسة الجمهورية يطالب الفنان بالتوقف، لكن يحيى يرفض، ويخبره بأن الأفضل الاستمرار و«خلينا زي ما احنا». يمكن ملاحظة حماس شاهين (المخرج وراء الكاميرا، ويحيى الشخصية أمامها) لتلك اللحظة النضالية، كأنه هو نفسه يجد مكانًا ووسيلة لمناهضة الواقع والسلطة، كأنه كان في تلك اللحظة القاسية من حياته، في حاجة إلى أن يندمج وسط آخرين، ويشعر بالانتماء إليهم، وينسى ألمه بينهم.

بعد خسارة الجائزة، تحديدًا في استخدام شريط الصوت، يستخدم شاهين أغنية أم كلثوم «فات الميعاد» لخلق حوار غير منطوق بين عمرو ويحيى.

من ناحية ثالثة، يعيدنا شاهين إلى الحكاية الأصل عن «ألم رحيل عمرو». حين تسأله تحية كاريوكا التي تؤدي شخصيتها الحقيقية في حضورٍ بديع: «زعلان عشان عمرو؟ عنده شغل وهييجي»، فيجيبها وكأنه بدأ يدرك النهايات: «مجاش ومش هييجي».

يُغربل ألمه مرة أخرى وهو يتحدث إليها وإلى نادية، في فلاش باك هو الأخير في الفيلم بما يتناسب مع «إدراك» الجملة الأخيرة، يحكي فيه عن مهرجان «كان» قبل عامين، في أثناء عرض «اليوم السادس» هناك، يغمر شاهين الفصل بتفاصيل عاطفية ومُحبة: يُلبسه البدلة، يربط له «الببيونة»، يُعطي له الجوارب، يُمسك يده قبل إعلان الجائزة، ويسأله بقلق: «لو معجزة برلين ماتكررتش هنفضل زي ما إحنا؟».

خسارة جائزة «كان»

بعد خسارة الجائزة، تحديدًا في استخدام شريط الصوت، يستخدم شاهين أغنية أم كلثوم «فات الميعاد» لخلق حوار غير منطوق بين عمرو ويحيى. يتحرك مع عمرو والأغنية تردد: «وكفاية بقى، تعذيب وشقى، ودموع في فراق، ودموع في لقا»، قبل أن يتحرك في «Track In» من تصوير رمسيس مرزوق على وجه يحيى، وهو ينظر إليه في أسى وأم كلثوم تغني على شريط الصوت: «تعتب عليَّ ليه؟ أنا بإيديا إيه؟ أنا بإيديا إيه؟». قبل أن تتسع الصورة على «فات المعاد». فات المعاد وكل شيء انتهى.

«تعتب عليَّ ليه؟ أنا بإيديا إيه؟»

حين يعود إلى الحاضر، يقول لكاريوكا ونادية إنه «دخل فيلم تاني وخلاص». هذا الفيلم الذي دخله هو في الحقيقة ما نشاهده نحن الآن. هو «إسكندرية كمان وكمان»، ولذلك فما يحدث يصبح أوضح: جزء من رحلة البطل/يحيى للتحرر من ألمه (عمرو وحلم هاملت) ومواجهة هواجسه (السلطة) هو أن يصنع هذا الفيلم. الرحلة الأكبر للفيلم الذي نُشاهده هو أن يُصنع، بكل الإدراكات التي تحدث في أثنائه.

تقول له كاريوكا: «وفضلت زي الحديد، انتَ معجزة ياض»

الفصل الخامس: تطور علاقة يحيى بنادية وسردين لقصة كليوباترا (53:29 – 1:04:43)

يحيى ونادية وقصة كليوباترا

من ناحية لها علاقة بتقنية الكتابة، فهذا أضعف فصول الفيلم. يتكون من مشهد واحد طويل بين يحيى ونادية، ويتخلل هذا قطعتان مُتخيَّلتان يحكي كل منهما عن كيف يرى الملكة المصرية «كليوباترا».

رواية يحيى الهزلية التي تُجَرِّم كليوباترا، تحمل خوفًا واضحًا من الحب ومن الآخر، نتيجة الوقت القاسي الذي يمر به. رواية نادية المتعاطفة هي إيمان بالحب وبالآخر. والصدام بينهما يطور علاقتهما، ويبدو واضحًا أن يحيى مهتم بها، تُلهمه وتساعده وتُذكِّره حتى بعمرو، وهو يخاف من ذلك لدرجة أنه يهينها فجأة بشكل عنيف، في تأكيد آخر على أنه في تلك اللحظة «يخاف من الحب».

الفصل السادس: 10 سنين من ناحية عمرو/10 سنين من ناحية يحيى (1:04:43 إلى 1:15:20)

في الفصل السادس يحدث «كسر لطريقة السرد الدرامي» للمرة الوحيدة في الفيلم.

اختيار السارد أو العين التي تروى الأحداث، واضح منذ البداية في السيناريو. فنحن نشاهد الفيلم من عينِ يحيى وذاكرته، ولذلك هو موجود في كل المَشاهد.

في المرة الوحيد التي يكسر فيها شاهين ذلك، تحدث حين يذهب إلى الجانب الآخر من الحكاية: مشهد طويل تذهب فيه نادية إلى موقع تصوير عمرو، يكون فيه مخرجًا كما قال حالمًا في فصل الفيلم الثاني، ويحاول فيه شاهين أن يحكي ما حدث من وجهه نظر عمرو: عن الضغط المجتمعي الذي يتعرض له في ظل علاقتهما.

«وCut كمان مرة Cut كمان مرة. تعبت زهقت مش عايز»

ويعبر عنه في جملة قاسية جدًّا يقولها أحد الممثلين في موقع التصوير: «10 سنين معاه ومعرفتش تروَّقه؟»، والضغط العملي الذي يصنعه يحيى بتسلط، ويقول عنه عمرو: «تعبت.. زهقت.. مش عايز»، وأخيرًا السؤال الجوهري جدًّا (الذي يمكن ربطه بحوار الفصل الثاني في برلين) حين يقول عمرو لنادية: «أنا لسه بحبه لحد دلوقتي، بس اسأليه بقى بيحبني زي ما أنا؟ ولا معلَّق على شبح اخترعه في نافوخه؟».

في التتابع التالي مباشرة، يعود شاهين إلى سياق السرد العادي، حين تجد نادية يحيى أمام بيتها، معتذرًا عن إهانته لها في مشهد الفصل الخامس، وبعد نقاش حاد جديد عن اعتصام النقابة، وما يحدث، ينفجر يحيى من جديد، ويبدو كأنه يرد على كلام عمرو في المشهد السابق بواحدة من أجمل مقطوعات الفيلم وأكثرها رقة:

«عشر سنين بعكُّه لما أكبر موهبة أنا عرفتها، زي الجنايني. زرعت ورويت.. واللي يزرع يحصد، خد يا عِلم وخد يا تربية، خد حب وانتماء ووله، باريس لندن طوكيو تومبكتو.. مفيش حتة بعيد.. مفيش حاجة تِغلى عليك، عشر سنين»، «... وبعدين مرة واحدة، قلبة سودا، مش ده اللي أنا أعرفه بني آدم تاني، مرة واحدة أستيكة وزي ميكونش حاجة حصلت».

«مش ده اللي أنا أعرفه بني آدم تاني»

انتقال بين وجهتي النظر في محاولة للفهم، وسؤال صادق جدًّا: إلى أي مدى تسمح لنا المحبة بأن نكون أنانيين تجاه من نحبهم؟ أن نختار لهم؟ أو حتى لا نحترم اختياراتهم؟ والفارق الهش جدًّا بين أن تحب أحدهم أو تحب صورته المتخيَّلة في رأسك؟

الفصل السابع: المولد.. أو ليلة طويلة مع نادية (1:15:20 إلى 1:32:10)

ينزل يحيى مع نادية، ويذهبان إلى المولد، مشاهد طويلة، بعضها تسجيلي من الأرشيف الشخصي لشاهين، وبعضها الآخر مصوَّر للفيلم. مشاهد يتحرك فيها وسط الناس، ويلعب «النشان» من أجل الفوز بحصان مولد، ويرقص بالعصا، وفي الأخير يلعب «التحطيب» بشكل مماثل لمشهد في فيلم «الأرض»، مع أحد الأشخاص العابرين.

مشهد طويل ممتلئ بالنظرات والإيروتيكية بينهما، مع موسيقى مؤثرة لمحمد نوح، لحظة سينمائية خالصة فيها شيء من التحرر ليحيى، التحرر في الغالب لأنه مُنطلق، وهو أمر يحدث دراميًّا لأن شاهين نفسه من يجسد دوره وينطلق، والتحرر لأنه ما زال «يرى» شيئًا في أعين الناس، حبًّا أو موهبة أو حياة. ما زال قادرًا على محبتهم.

مشهد التحطيب

أراد يحيى من عمرو أن يكون صورة لما يريده، وأراد من نادية أن تكون صورة أخرى من عمرو، نسخة عن نسخة.

لحظة التحرر الثانية تأتي حين يأخذ نادية إلى مشاهدة فيلم «هاملت». الفيلم الذي لم يحدث، لكن شاهين يجعله حقيقة في عالم يحيى، يجعل الناس يصطفون لمشاهدته، ويصور بعض المَشاهد في أثناء إخراجها، كأن تلك هي الوسيلة لأن يفرغ روحه من كل هذا. ويَنجح.

تسأله نادية بعدها، ما يمثل معضلة أساسية في الفيلم وحياة البطل: «انتَ حياتك كممثل إزاي تسمح لنفسك ترميها رمي؟ طالما دور هاملت حرقك طول حياتك ممثلتوش وانتَ صغير ليه؟ كويس وحش.. كنت لازم تطرشه وتخلص منه، معقولة كاتمه في قلبك طول الوقت ده؟».

تواجهه بعدها أن عمرو لم يُرِد دور هاملت، «انتَ بتحلم بيه، أنا لأ»، كما قال له في أول مشهد. لم يُرد الفتى كل هذا، وليس من المنطقي أن يطلب من الناس إلغاء عقولهم كي يكونوا مرآة للأستاذ، لأن «كل واحد حر بشخصيته وذاتيته»، وأنها ترى الآن أن قصته معها مجرد تعويض لفراغ عمرو، لكنها ستغادر، ولن تكون «استبن».

«ودخلت معايا تمثيلية حُب عشان تملى الفراغ اللي سابه عمرو، أنا مش شقة للإيجار، ولا أنفع استبن»

كل شيء ينفتح أمام يحيى الآن: لقد أراد من عمرو أن يكون صورة لما يريده، وأراد من نادية أن تكون صورة أخرى من عمرو، نسخة عن نسخة. كان أنانيًّا رغم محبته، وقاسيًا رغم اهتمامه، وهو الآن يجب أن يتحرر من نفسه، ليس من عمرو أو هاملت أو أي شيء آخر.

لذلك، ففي المشهد التالي، ومع نجاح الإضراب بقرار الرئاسة الموافقة على مطالب الاعتصام كلها، يعترض يحيى على أنهم قادة، مكررًا جملة نادية بصوت عالٍ: «كل واحد حر برأيه، كل واحد بذاتيته، ملناش ناخد قرارات باسم حد».

يحيى، بفعل الاعتصام والنقابة ولحظة المواجهة، بفعل علاقته بنادية وتفكيره المضني في ما حدث مع عمرو، بفعل خروجه أمام الكاميرا بدلًا من خلفها، وتمثيله دون اختباء، بفعل كتابته وصنعه للفيلم الذي نشاهده، يصل أخيرًا إلى نقطة المواجهة مع نفسه.. ويتغير/يتحرر.

الفصل الثامن: اقتل عمرو.. ومؤتمر البالون الأخير (1:32:10 إلى 1:41:17)

في مشهد داخل رأس يحيى وفيلمه الذي يكتبه عن الإسكندر، نرى الأخير في صورة عمرو يجلس في تابوته، وتنزل الجرَّافات وتخترق جسده، يحيى ينتهي من عمرو داخله؟

في التتابع الأخير من الفيلم، يقرر يحيى أن يبدأ مشروعه القادم عن أنطونيو وكليوباترا، وأن تكون نادية بطلته، ويخبره جندي بأن يراها في مؤتمر «البالون» الذي نظمه الفنانون عام 1987 لإعلان نتائج اعتصامهم. يسجل شاهين من جديد لحظة التضامن تلك، لحظة الانتصار السينمائية والحياتية، وفي قلب ذلك يرى نادية قادمة من بعيد، وهو يقف وراء الكاميرا ليصور. ويُنهي الفيلم الذي نشاهده.

يحيى ينظر نحو نادية لآخر مرة

بانتهاء الفيلم، كان شاهين قد تحرر فعلًا، وكل أفلامه اللاحقة كانت أبسط وأكثر مباشرة. كأنه أفرغ كل ما في قلبه وروحه في «إسكندرية كمان وكمان».

في رحلته الخارجية، وفي قلبها أن «يعمل فيلم تاني» تحرر شاهين من أشياء كثيرة عبر يحيى. مثِّل ورقص وغنَّا وأخرج أحلامه وهواجسه وعقده وأشياء مكتومة ومتراكمة فوق قلبه. حتى إنه صور جزءًا من هاملت: «نسي هاملت ونسي عمرو».

في رحلته الداخلية: يحيى يواجَه بأنه ديكتاتور، ويحمل قسوة داخل محبته، ولم يعد يريد فعل ذلك، لم يعد يرغب في الاختباء أو تحميل الآخرين رغباته، يريد الآن أن يرى «احنا الاتنين»، وليس «أنا» فقط.

بانتهاء الفيلم، كان شاهين قد تحرر فعلًا من بعض الأشياء، وليس غريبًا أن كل أفلامه اللاحقة كانت أبسط وأكثر مباشرة. كأنه أفرغ كل ما في قلبه وروحه في «إسكندرية كمان وكمان».