الحزن البغيض مفيد: أسباب وجيهة للمشاعر السيئة

أمل السعيدي
نشر في 2021/08/19

الصورة: Getty - التصميم: منشور

يتساءل راندولف إم نيس أستاذ علم النفس والطب النفسي السابق ومدير مركز التطور والطب في جامعة أريزونا، من خلال كتابه «أسباب وجيهة للمشاعر السيئة: أحدث الأفكار في مجال الطب النفسي التطوري»، ومن خلال تجربته الشخصية في مزاولة المهنة لمدة 30 عامًا، وسرده الذاتي عن الأسباب التي جعلت الانتخاب الطبيعي يحتفظ لنا بالجينات التي قد تسبب الاضطرابات النفسية، حول ما إذا كانت الاضطرابات النفسية تعد شكلًا من أشكال التكيف المفيد، في الوقت الذي أصبحت فيه الحياة ضاغطة بصورة كبيرة.

إذ أن «المنحة الأعظم للحياة الحديثة هي مصدر الشرور بالمثل»، على حد تعبير الكاتب، مما يفسر سبب أن الأمراض والاضطرابات النفسية شائعة اليوم. لكن يبقى السؤال قائمًا حول بقاء مسببات أعراض الاضطرابات النفسية رغم الانتخاب الطبيعي، واستمرارية تمرير جينات تسمح بتعرض الإنسان لهذه الأمراض والاضطرابات.

في هذه المادة لا نقدم مراجعة للكتاب، بل موجزًا لأهم الأفكار التي اخترناها وتتقاطع مع أحاديثنا اليومية.

أسباب تطورية وراء قابليتنا للإصابة بالاضطرابات النفسية

الصورة: Getty

هنالك مجموعة من الأسباب التي تجعلنا قابلين للإصابة بهذه الأمراض، مثل عدم توافقنا مع طبيعة العالم اليوم ومع البيئات الحديثة التي نعيش فيها. هذا لا يعني بالتأكيد أننا سنتمكن من العيش في بيئة أسلافنا القاسية، لكننا غير مهيئين للانسجام مع المشكلات الصحية التي أوجدناها في هذه البيئة، والتي صممناها من أجل الوفاء برغباتنا على حد تعبير نيس.

يشرح الكاتب كيف أن أي منظومة تعجز عن نسخ المعلومات الوراثية بدقة، مما يمكن من حدوث الطفرات، كما لا يستطيع الانتخاب الطبيعي مقاومة قوانين الفيزياء، لذا لن تكون لدينا أفيال طائرة.

بالإضافة إلى تقيد مسار وجودنا اليوم بقواعد معينة، تفرض علينا عدم إمكانية البدء من جديد، فإذا ما غيرتَ مكان الأحرف في لوحة الكيبورد الخاصة بك، سيتطلب الأمر أن تبدأ من جديد في تعلم الكتابة عليه.

أحد أهم الأسباب أيضًا أن أجسادنا عبارة عن «حزمة من المقايضات»، فالتكلفة قد تكون عالية إذا ما رفعنا كفاءة بعض القوى. ويضرب مثالًا على ذلك بأن منح الجهاز المناعي متانة أكبر سيكون على حساب تلف الأنسجة.

ويعد معيار التكاثر أحد أهم الأسباب في تصرف جيناتنا على هذا النحو، فوفقًا لعلم التطور، فإننا نخصص الجهد والموارد للتنافس بدلًا من إصلاح الأنسجة، ولذلك فإننا كبشر مصممون على أن نزيد من «صلاحيتنا» لتحقيق هذه العملية، حتى ولو كان ذلك على حساب سعادة أقل.

تشكل المشاعر السيئة شكلًا من طرق الاستجابة الدفاعية، على غرار الحمى والسعال، وهي استجابات وقائية تؤديها أجسامنا عند الإصابة بالمرض، فهذه أعراض له لتنبيهنا كي نعمل على مواجهته. كذلك تكون مشاعر القلق والغيرة والغضب وغيرها، فهي وإن كانت متعبة وبغيضة، إلا أنها مفيدة في تحسين قدرتنا على معالجة مواقفنا.

ومن هنا فإن التفسيرات التطورية للاضطرابات النفسية مهمة للغاية، فهي تجيبنا على سؤال لماذا يشكل الانتخاب الطبيعي السمات التي تجعلنا قابلين للإصابة بالمرض؟ أي أنها ستساعدنا في فهم أسباب وجود هذه الاضطرابات النفسية من الأساس، وبالتالي التوصل إلى العلاجات الأفضل لها.

وظائف للمشاعر السيئة

الصورة: Getty

علينا أن ندرك أولًا أن المشاعر لم تصمم، بل تطورت لتكون مفيدة لجيناتنا إن لم تكن مفيدة لنا. يكتب نيس: «ينضم الحب إلى الكراهية، والعدوان إلى الخوف، والانفتاح إلى الانسحاب، وهكذا دواليك، في أخلاط ليست مصممة من أجل تعزيز سعادة الفرد، وإنما من أجل الانتقال الأقصى للجينات المسيطرة». هذا الإدراك سيقدم لنا فهمًا واضحًا حول أن للمشاعر وظائف متعددة تؤديها، لذلك فهي موجودة، لكن هذا لا يعني أن هذه المشاعر جزء من منظومة مصممة هي الأخرى.

يضرب الكاتب بشعور الغيرة الجنسية مثالًا، ففي ستينيات القرن العشرين حاول بعض الناس ممن يعيشون في كوميونات القضاء عليها بدخول علاقات مفتوحة، مستندين إلى أن الغيرة ما هي إلا عرف اجتماعي يمكن التخلص منه، لكن لم يكتب لهذه الكوميونات البقاء.

هنالك 13% من إجمالي جرائم القتل يرتكبها شريك حميم. أما عن سر بقاء الغيرة في جيناتنا على الرغم من حزمة ما يأتي معها من عنف وألم وعلاقات مسمومة، فالإجابة تكمن في دعوة نيس إلى التفكير في فرصة شخصين أحدهما يغار والآخر لا يفعل: أيهما ستكون له فرصة إنجاب أبناء أكثر، أي تمرير جينات أكثر؟

بحسب نيس والمراجع التي يعتمد عليها في الكتاب، فإن لكل شعور وظيفة تكيفية ملازمة. فيقال إن الغضب يسهم في تفريغ التوتر عبر منع الوعي من البقاء في مستوى مؤلم من الاستثارة الشعورية أو البدنية، أو يمكن أن يقلل العدوان على الآخرين، ويزيد تدفق الدم إلى العضلات، وهكذا فإنه يمكن أن يؤدي وظيفة حماية حياة أبناء القبيلة عند أسلافنا وحتى حماية الذات في عصرنا هذا.

لم يقابل أسلافنا هجوم أسد قادم من الضفة المقابلة بالخوف الذي يؤدي إلى الفرار، فمن السهل أن يبيت هؤلاء الساكنين دون رد الفعل هذا في بطن الأسد.

يكتب نيس: «أحيانًا يُنظر إلى النظرة التطورية للمشاعر بوصفها تشير ضمنًا إلى نظرة جامدة وغير شخصية للسلوك الإنساني. ومع ذلك، فإن المنظور التطوري لا يفترض إطلاقًا أن الجميع متطابقون، بل إنه بالعكس تمامًا يشجع على إيلاء الانتباه إلى آمال الأفراد المتنوعين وأحلامهم ومخاوفهم وخصائصهم الفردية المتعددة».

التكلفة واسعة وكبيرة على كلتا الاستجابتين الشعوريتين السلبية والإيجابية تجاه حادثة أو موقف ما، فبعض الناس تبهجهم الفرص الصغيرة، بينما كثير من الناس لا يلقي بالًا لما يمكن أن تقدمه له الحياة. وفي هذا المثال، فإن الأفراد الذين يفرطون في الاستجابة الشعورية، يشعرون بنوبات حماس تجعلهم يحولون جهودهم من مشروع غير مكتمل إلى آخر، مع ما يصاحب ذلك من تثبيط للهمة يعميهم عن الفرص الجديدة الفعلية. أما من لا تحركهم المشاعر، فلا يستغلون الفرص ولا يحمون أنفسهم من التهديدات. وعن وجود هذا الطيف الواسع من الاستجابات بحسب نيس، فإن الطرفان يتمتعان بصلاحية داروينية متشابهة.

من المهم أن ننظر إذًا إلى أولئك الذين يمتلكون مشاعر إيجابية بمعدل مرتفع، أو ما يسميه نيس «مشاعر سلبية أقل مما ينبغي»، على أنها مهددة لصلاحيتنا، وفيها فرصة كبيرة للتعرض لأمراض خطيرة. فقد يكون نقص القلق قاتلًا، ونقص الحزن يؤدي إلى الاستمرار في فعل الأشياء نفسها دون أي محاولة للتغيير، ونقص الرهاب يهدد بالمخاطر.

غيَّر الفهم التطوري من أسلوب نيس في العلاج، فلقد بدأ بإخبار مرضاه بأن أعراض الهلع والخوف مفيدة من أجل الهروب من الأخطار المهددة للحياة. فلو لم يقابل أسلافنا هجوم أسد قادم من الضفة المقابلة بالخوف الذي يؤدي إلى الفرار، فمن السهل أن يبيت هؤلاء الساكنين دون رد الفعل هذا في بطن الأسد، وتموت جيناتهم معهم.

عندما بدأ نيس في تقديم هذه التفسيرات لمرضاه، طغى جو من الارتياح سببه هذا التفسير المنطقي. فالهلع هنا بمثابة صافرة إنذار لنظام تعود الإنسان على وجود المخاطر فيه.

قسوة الاضطرابات النفسية

الصورة: Getty

هنالك ميل مستمر للتقليل من تأثير الاضطرابات النفسية والمعاناة الناجمة عنها، فالقلق على سبيل المثال يعتبر مرضًا عصبيًا بسيطًا، يشبهه نيس بالاعتقاد بأن الشلل السفلي ما هو إلا صعوبة في المشي.

أما الاكتئاب فيضعه نيس في خانتين، الأولى يسميها الحالة المزاجية المنخفضة، والثانية هي اكتئاب ثنائي القطب (بايبولار). إذ يعتبر الأول اضطرابًا والثاني مرضًا، ويجيب على سؤال «هل يمكن أن يكون الاكتئاب عبارة عن استجابة وقائية هو الآخر؟» بأن هنالك مؤشرات تطورية على ذلك، فالاكتئاب الذي يسبب عدم الرغبة في السعي وراء المكانة الاجتماعية قد ينقذ العالقين في المحطات الصعبة من خلق أهداف يستحيل تحقيقها، إذ يكون مهمًا بالنسبة للاستمرارية التخلي عن هدف كبير من أهداف الحياة.

هذا يدفع للنظر إلى الأشخاص الذين يثابرون بدرجة مفرطة على أنهم مستحقون لتشخيص «اضطراب الانتباه الزائد»، أو ما يعرف بتأثير الكونكورد، والمتمثل في خطأ مواصلة بذل المجهود في سبيل قضية خاسرة.

يقول نيس إن عشرات الدراسات تثبت أن من يعانون من حالة مزاجية منخفضة (اكتئاب) يكونون أكثر واقعية، وهي ظاهرة تعرف بالواقعية الاكتئابية، فعادة ما يتحلى الناس بتفاؤل غير مبرر. الواقعية الاكتئابية مهمة في كثير من الثقافات، ولنأخذ مثالًا على ذلك استخدام الأفلام والقصص الحزينة لاستثارة حالة مزاجية منخفضة تفيد في ما يذكرني بالتطهير عند الإغريق. لكن هذا لا يعني على الإطلاق أنه لا ينبغي علاج هذه الاضطرابات النفسية.

يتسبب الوزن الزائد في مجموعة من الضغوط النفسية والجسدية، وقد تتحول النفسية إلى جسدية والعكس صحيح، فهناك الخوف من القبول الاجتماعي، وهو مفهوم لأننا نريد الانتماء إلى قبيلة أو مجموعة لتمرير جيناتنا، والإحراج قد يؤدي للانسحاب، الذي يؤدي إلى النتيجة السابقة أيضًا. أما عن التفسير التطوري لانتشار البدانة فهو أن الآليات التي تنظم وزن الجسم غير ملائمة لبيئتنا الحديثة، فأجسادنا مخصصة في بعض الأحيان لتخزين الكثير من الأطعمة لأنه لم يكن هنالك وفرة في الطعام، فلم يكن هناك ضمان أن أسلافنا سيحصلون على الطعام عما قريب. الخلاصة أن الانتخاب الطبيعي شكَّل لنا الآليات التي تحمينا من الموت جوعًا.

هذا الكتاب قد يقدم لك تحليلًا حول أن مرضك أو اضطرابك النفسي ليس نوعًا من الفشل، بل هو عبارة عن استجابة طبيعية وقائية، وربما يشوب هذه الاستجابة بعض الخلل، أو ربما تكون مفرطة لأسباب ترتبط بالسبب الذي أُوجدت من أجله عند أسلافنا، الذين عاشوا في بيئة مختلفة عن بيئتنا هذه. هذا الكتاب له قدرة على بث الشعور بالتعافي أو الرغبة فيه.

أمل السعيدي