الوسط الثقافي: التحرش ليس حكرًا على الجهلاء

ربى خالد
نشر في 2021/10/31

الصورة:  BBC Arabia - التصميم: منشور

لا شك أن التحرش هو نوع من العنف يمارس ضد المرأة التي تتواجد في الفضاء العام كتعبير عن الرفض  للمرأة المستقلة المقتدرة والحرة والعمومية، هو رفض ان تمتلك هذه الحرية خاصة في الثقافات المحافظة التي تؤسس لفكرة دور وحيد  للمرأة يقع داخل حدود البيت ،لذلك نجد دائما  ذلك النوع من التبريرات الذي في جوهره يبرئ المتحرش من جرم فعله بأن يلوم المرأة على جرأتها في لبس ما تشاء أو تواجدها بمكان عام بدعوى أنها تمارس فتنة.

إلا أن الوسط الثقافي يدعيّ في العادة تقديم مقاربات أكثر حداثية وانفتاحاً بخصوص المرأة، بل أن الأعوام الأخيرة ومن خلال حملات النساء المختلفة عبر العالم لفضح المتحرشين جنسياً، قدمت لنا نماذج لرجال يدعون أنهم نسويين ومناضلين من أجل حريات النساء وكانوا هم أنفسهم تجسيداً للدور الذي يؤكدون فيه ثقافتنا الذكورية عبر ترسيخ الهيمنة على النساء من خلال التطاول والإيذاء الجنسي. فلنقرأ مثلاً شهادات لنساء ناجيات من العنف الجنسي في مصر وعن الأدوار التي يلعبها الجناة في المجتمع ظاهرياً من صناع سينما وكتاب ومؤلفين وناشطين حقوقيين.

بدورها خاضت الشاعرة المصرية  آلاء حسانين محاكمات قضائية في حق المتحرش بها، وكتبت تدوينات شخصية تشرح فيها الموقف مع واحد من رموز الثورة المصرية وشاعر وصاحب دار نشر تقدمية لطالما مثلت رمزاً للنضال و الثقافة وقصت الحادثة المروعة بالتفصيل.

ولأننا نؤمن بضرورة أن نتحدث وأن نكتب ونستعيد قصصنا هذه باستمرار، بحثنا في منشور عن قصص تحرش تعرضت لها نساء في الخليج. هذا المكان الذي لم تتمدد فيه حركة «أنا أيضاً» العالمية لأسباب منها العواقب التي تتعرض لها النساء في حال إبلاغهن أو فضحهن لأي حالة اعتداء وعنف جنسي والتي قد تصل للقتل.

ذلك على الرغم من وجود خطاب توعوي مؤسسي حول التحرش في الخليج العربي مؤخراً اذ أنه وفي أكتوبر 2020، أطلق مجلس التعاون  حملة للتحذير من التحرش الذي يتعرض له الأطفال تحديداً، وقال: إنَّ «صمت العائلة عن المتحرش يهدم شخصية الطفل، ويجعل المتحرش يتمادى». ليس الأمر أن هذه الحملات موجهة للحد من الاعتداء الجنسي على الأطفال فحسب، بل أنها تتجاهل الفعل السياسي لرسوخ الذكورية في المجتمع، على اعتبار أنها تجسيد للدولة الأبوية، فأي خطاب توعوي هو ذلك الخطاب القادر على صنع فارق جوهري في هذه الحالة؟ إننا نرى أن الحل لابد وأن يكون جذرياً لتحصل النساء على حق التواجد في الفضاء العام دون عنف مقابل.

بدايات تخلخل الفضاء العام وأسئلة متكررة

الصورة: الجريدة

على طريقة جوديث بتلر المنظرة النسوية بدأت كاتبات خليجيات عبر حساباتهن على مواقع التواصل الاجتماعي التنديد بحالات تحرش في الوسط الثقافي الخليجي. في نوع من اثارة المياه الراكدة وتحريك الفضاء العام نحو هذه القضايا التي تمثل تابوهات لا يجوز التحدث عنها ، مستعرضات تآزر قوى الوسط الثقافي وتسامحه نحو المتحرشين والمعنفين جنسياً.

الكاتبة البحرينية ليلى المطوع كتبت عبر تويتر: «تعرضت للتحرش الجنسي من شخص معروف في الوسط الثقافي عام 2017 وكان تحرش لفظي، واتهمني لما رفضته إني من الناس اللي يبين عليهم حق علاقات جنسية عابرة، كل هذا لأني حسبته صديق، ومعجبة بأفكاره التقدمية ودعمه لقضايا النساء، ومن بعد هالموقف تعبت نفسيتي وصرت ما أروح معارض الكتب».

كما كتبت سارة الشمري كاتبة كويتية في أكثر من مناسبة عن التحرش بالنساء في الخليج من قبل المثقفين. فقالت مثلاً في تغريدة على تويتر : «من كثرة أوكاركم يا المثقّفين، صرت كلما كلّمني مثقّف يبي أكتب لمجلة أو يدعوني لأي حدث ثقافي، لازم أسأل بنت أثق فيها من بلده إذا كان متحرّش أو لا».

هذا التحرك أنتج أسئلة عديدة، ما الفرق بين الغزل والتحرش؟ لماذا يتمادى المتحرش بالإيذاء والاعتداء؟ هل نصدق كل ادعاء؟ ما الذي يجب فعله لصد التحرش أو منعه؟ وغيرها من الأسئلة التي أدخلت القضية في سياق تنظيري يتعلق بالسلطة والسياسة والجسد والقوة. 

يفترض في المثقف أن يكون واعيًا بالحدود الاجتماعية والجسدية، وعارفًا بأثر السلطة، ومدركًا للآثار النفسية التي تنتج عن هذا النوع من التجارب، ومتفهمًا للرفض، أو ربما هذه هي الصورة النمطية للمثقف والمتوقعة منه.

في الفرق بين الغزل والتحرش، فالقاعدة الأكثر وضوحًا هي مدى تقبل الطرف المتغزل به، عادة ما يكون الطرف المغازل شخصًا فاهمًا للإشارات التي يرسلها الطرف الآخر، يستطيع أن يتبين منها مدى تقبله، ناهيك عن علاقة الطرفين ببعضهما البعض، فعبارة «تبدين جميلة اليوم» إذا ما قيلت لزميلة في العمل بينها وبين المغازل علاقة طيبة ويظهر عليها تقبل هذا النوع من الإطراءات، فهو غزل لا تحرش. لكن نفس العبارة إذا ما قيلت لفتاة تسير في الشارع، فسيثير التخوف لدى الفتاة.

المتحرش شخص لا يأخذ بالاعتبار مشاعر الطرف الآخر، ولا إشارات الرفض، ولا يهتم بمدى القبول أو حتى يرغب في التفكير به، أو قد يستخدم سلطته عارفًا بأن المتحرش به لن يستطيع المقاومة أو الرد أو الشكوى.

في التفرقة بين الفعلين يجب الأخذ بالاعتبار الطبيعة المجتمعية، النساء في بعض المجتمعات يشعرن بالأمان أكثر من المجتمعات الأخرى، في بعض المجتمعات العلاقات بين الجنسين محرمة وممنوعة فالخوف فيها عالٍ، التربية في المجتمعات المحافظة تبنى على تعليم الفتاة بأن الرجل وحش شهواني أي كلمة تبدر منه ستكون رغبة جنسية فيجب تحاشي الاختلاط أو التواصل. 

كيف تتعرض النساء للتحرش في هذا الوسط

الصورة: كونا

 تباينت ردود الاستطلاع الذي أجريناه في «منشور» حول الطريقة التي تتعرض بها النساء للتحرش في الوسط الثقافي، لكن الملاحظ هو أن حالات التحرش الجنسي اللفظي غالباً ما تتم عبر الانترنت.

تقول سعاد محمد (اسم مستعار) وهي تعيش في مسقط أن الأمر بدأ باقتراح من المتحرش وهو ناشط سياسي وشاعر بمساعدتها على بحث تعمل عليه. يقدم المتحرش نفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أنه مناهض لكل أشكال الاستبداد، ومعارضاً للسلطة في بلده، وحدثت لحظة التحول في المحادثات بينهما عندما طلب منها صورة لها (بشروط وضعها) في سياق حديثه عن ظاهرة دينية في البلاد العربية وكأنها كانت مفتتحاً يعده بهدوء ليتمكن من تقديم طلبه هذا، ولأنها كانت قادرة على أن ترد عليه فوراً بأن هذا تعدي وتحرش، قال لها: «على الأقل أنا مو من اللي يتحرشون ويقولون ما تحرشنا أنا أعترف». 

ندى سلطان (اسم مستعار) توقفت في معرض الشارقة للكتاب عام 2018، للسؤال عن مجموعة شعرية عند إحدى دور النشر الخليجية وعندما سمع المتحرش وأصدقاؤه المتجمعين عنده في الدار عن العنوان، استغربوا كيف أن امرأة تطلب عنواناً مماثلاً، الأمر الذي دفعه مباشرة لفتح نقاشات لكي تشعرها بالارتياح، أي أنها بدأت تشعر بما سيأتي عما قريب، لكنها تلك المناورة التي يقوم بها المتحرش، حتى يبدو سلوكه مهما كان وجيها، وحتى يضع الضحية في موقع الشك والشعور بالذنب، في أنها ولابد تسيء فهمه، دعاها لقراءة مجموعته الشعرية وكتب لها إهداء موحياً، وطلب منها رقمها وحساباتها الشخصية حتى يعرف انطباعها عن الكتاب حسبما ما قاله، ومع أنها رفضت ذلك إلا أنه أصر على الأمر في تمثيل حقيقي للشعور بالقدرة على فرض سلطته على الآخر، والاستمرار في ايذائه.

أما سمية سعيد ( اسم مستعار) فتقول أنها مرت بمواقف عديدة في الكويت لكن أكثرها تأثيراً عليها موقفين الأول ذهبت فيه لتقديم مقابلة عمل لدى كاتب تربوي واستاذ جامعي معروف جداً لتفاجأ بأن طلب منها اختبار لغتها الإنجليزية، فطلب الحديث معها بالانجليزية ووافقت طبعاً، ليسألها عن كيف تحقق رغباتها الجنسية عادة وأين تقابل حبيبها هل يحجزان في العادة غرفة فندقية؟ ولماذا تفضل الفتيات المتخرجات من الجامعة الحديثة الرجال في عمره؟ هل لأنه قادر على منحها سيارة وعطور باهظة الثمن؟

تقول: «لم أعرف بما أجيب كنت خائفة خصوصاً وأنني وحدي معه في مكتبه، قلت له أنني لا أعرف أي صديقات في عمري لذلك لا أختلط كثيراً بالناس فلا أستطيع معرفة أي شيء يتعلق بهذا».

أما الموقف الثاني الذي تعرضت له سمية تقول كان صادماً لأنه أتى من صديق أعرفه منذ سنوات، بدون سياق في مكتبه أيضاً وبينما نتحدث عن أحدث إصدارات الكتب (لأنه يمتلك مكتبة) أقفل الباب، وأنزل بنطاله وقال لي: «هل يمكن أن تصوري عضوي الذكري؟ أحب صور «nuds» وأجدها فناً» ورغم أنها كانت ترتجف في الموقف الا أنها لم تستطع التعبير عن رفضها لما يحدث من فرط الخوف الذي شعرت به.

تقول دعاء حسين ( اسم مستعار) من السعودية: «تقدمت لطلب وظيفة من صاحب مكتبة في الرياض عبر حسابه في تويتر، وكنت من مرتادي هذه المكتبة، طلب مني صورة لكي  يرى اذا ما كان يتذكرني، لكن على حسابه في سناب شات، ظننت بأن حسابه هنا مزدحم لذلك لم أشك في الأمر، أخبرته اني مطلقة في سياق حديثي عن أهمية حصولي على الوظيفة وجديتي».

تفاجئت بعدها بأيام بأنه بعث لها صور جنسية وطلب منها أن تصور له صوراً جنسية وأن تقابله في فندق «بما أنك مطلقة ما تفرق معاك»، بعدها بفترة اتفقت مع صديقة لها على أن تذهب للمكتبة ولم تستطع مصارحة صديقتها حول ما حدث، تعرف عليها فور وصولها وجاء لها وسألها عن حذفها له من كل حساباتها في تويتر وسناب شات، وطلب منها الذهاب معه الى السيارة لكي يتفاهما، وعندما خرجت فوراً من المكتبة جاء خلفها وقال لها : «ليش تسوين كذا لو ما عندك فلوس بعطيك» وعندما أخبرت صديقتها عنه وكتبت عنه في تويتر، تفاجئت بأن أخريات تعرضن للموقف نفسه من المتحرش نفسه.

يستخدم المثقف المتحرش الأغاني والقصائد الايروتيكية للبداية في الاعتداء، كما يستخدم ايضاً النكت و«الميمز» في رسائل يقدم بها سلوكه المعتدي، لذلك يمكن اعتبار هذه علامات ومؤشرات غالباً ما سينتج عنها عنف جنسي.

كثيرة هي القصص التي تلقيناها في «منشور» من فتيات خليجيات عن قصص تحرش تعرضن لها، لكننا لم نتجاهل سؤال الرجال عما يعتقدون أنه مسوغ للرجال من حولهم للاقدام على هذا الفعل واتفقوا على سبب واحد ليس مدهشاً «أنهن يرغبن في ذلك». 

بماذا تشعر النساء أثناء وبعد هذا العنف الجنسي؟

تتفق المبحوثات في استطلاع «منشور» هذا على أن مشاعر الخزي والشعور بالذنب تتقدم كل المشاعر الأخرى، اذ يشعرن بأنهن ساهمن في وضعهن في هذا الموقف، قضين كثيراً من الوقت في مراجعة المواقف بكل تفاصيلها الصغيرة، هل بدر منهن يا ترى مقدمات سمحت للمتحرشين بالاقدام على فعلتهم تلك؟

تصبح تجارب النساء مقوضة على نحو لا عودة منه، أسماء ياسر (اسم مستعار) من عُمان صارت تقول أن أي فرصة تجمعها برجل، تشعرها بالخوف والترقب لأن التحرش الجنسي والايذاء لا شك قادم. ومع أنها في مهنة تتطلب قدراً من الحركة في الفضاء العام لأنها قانونية فهي تشعر بأنها متوجسة طيلة الوقت.

تقول أسماء لمنشور: «يعرف الرجال في مجتمعاتنا الخليجية أن تقديم شكوى قانونية عليهم يعد تحرشهم الجنسي يعد امتيازاً. وأن معظمنا غير قادرات على الشكوى لدى الجهات المسؤولة هذا ان تخلصت الفتاة من عقدة الذنب أصلا، اذ أنها تكون الملامة سواء من قبل الجهات الأمنية أو من عائلتها وقد تتسبب في موتها أو حبسها داخل البيت ومنعها من استخدام أي وسيلة تواصل اذا ما عرفوا عن ذلك. ثم فلنتكم بصراحة ما الذي حدث مع فتيات نعرفهن وقد طالبن بردع المتحرش؟

كيف يكرس وسطنا الثقافي النظرة القاصرة للنساء؟

الصورة: كونا

بالتأكيد أن كل الأوساط والأنشطة تتعرض فيها النساء للاعتداء لكن لماذا نتوقع أن لا يقدم المثقف على  الاعتداء الجنسي؟ لماذا رغم ما ذكره التاريخ عن مواقف المثقفين الذين خاضوا حروباً وابادات عن عدم وجود علاقة بين القراءة والاطلاع والسلوك والأفعال، نصر على العودة لفكرة وجود هذه العلاقة . اننا نعتقد أنه وبوجود سلطة المعرفة لدى المثقف، نريد خوفاً أن نعرف كيف سيتم توجيه هذه السلطة، فنفترض بالضرورة أنها لن تستثمر في شيء شائن. لكن يجب أن ننتبه هنا أننا نتحدث عمن يمتلك المعرفة بالفعل، ولا يستخدم هذا الطريق لأنه سيفضي بالضرورة لتحقيقه أهدافه بشأن اللقاء مع النساء وفرض السيطرة عليهن وعلى أجسادهن عبر التحرش.

وبوساطة أدوات المعرفة نفسها تم تجاهل التحرش الجنسي، اذ أننا مثلاً لا نقرأ عن هذه الظاهرة كثيرًا في التاريخ او في علم الاجتماع، إنها بطريقة أخرى، تعطي في العادة منافذ لتجنب مسؤولية هذا الجرم. متجاهلة أن التحرش الجنسي هو وسيلة للتعبير عن الذكورة وتأكيدها ضمن سياق نظام جنساني متغاير الجنس. 

أظهرت دراسة أجريت في أمريكا أن ما يقرب من ثلثي طلاب الجامعات يتعرضون للتحرش الجنسي أثناء تعليمهم، وأن المتعلمات هن الضحايا في الغالب. وقد وجدت الدراسة أيضًا أن هذا يتقاطع بشكل وثيق مع علاقات القوة داخل المؤسسة التعليمية.

غالبًا ما يكون تعزيز العلاقات الجنسية بين الذكور والمصادقة على الذكورة سببًا في وقوع النساء ضحايا للتحرش الجنسي في بيئة تعليمية. 

وعليه يمكن أن نفكر في الإنتاج الثقافي في منطقتنا على أنه يعمل بدوره على تعزيز علاقات القوة هذه، فلنتأمل مثلاً كيف تظهر النساء في الأدب الخليجي، ولنبدأ بمثال لنتاج امرأة بهذا الصدد، في كتاب «الاغتراب في الشعر النسوي الخليجي» للشاعرة د.سعيدة خاطر الفارسي.

تظهر كلمة «النسوي» في عنوان الكتاب، وبعد الاطلاع على محتواه، نفهم كيف أن «النسوي» متخلية عن حمولتها الثقافية. هذا ما أشار إليه حبيب بوزهور في دراسته تمثلات النسوية في الشعرية الخليجية المعاصرة، في سؤال مهم تبحث فيه هذه الدراسة: نسوية أم أنثوية؟ فهنالك مصطلح womanism  النسائية ومصطلح feminism  أي النسوية والذي بدأ استخدامه لأول مرة في المجال الأدبي والنقدي وفي العلوم الإنسانية في عام 1910  ورغم اختلاف المصطلحين بما يحملانه من خلفية ثقافية وفكرية مختلفة كلاً منهما عن الآخر، إلا أننا نجد وفي الخليج العربي بحسب الدكتور بوزهور تداخلاً في التوظيف الاجرائي للمصطلحات، فاستخدم مصطلح انثوي أو نسائي كما لو أنه يعني «نسوي» إن هذا اللبس والارتباك، ينعكس بالضرورة على التفكير في حضور المرأة داخل المجال الثقافي. 

يمكن القول إنه تجاهل مقصود ممن يتقلدون المناصب في المؤسسات الأكاديمية والاعلام والمؤسسات الثقافية لتجاهل السياقات التي أنتجت الموقف النسوي، يمكن أن نطلق عليه انتزاعاً لتواصل المرأة الخليجية مع ما يحدث للنساء في أي مكان آخر في العالم. وعودة لكتاب «الاغتراب في الشعر النسوي الخليجي» لسعيدة خاطر، تجد المؤلفة ضرورة علمية لتعريف الاغتراب وتخصيص فصل خاص به في الدراسة، في حين لا يتطلب الأمر تقديم مقاربة لمفهوم النسوية وقراءة في تاريخها وما أنتجته خلال عقود. 

من جهة أخرى كتب الشاعر الكويتي دخيل الخليفة عبر حسابه في تويتر تغريدة جاء فيها : «خشونة القصيدة العمودية لاتناسب المرأة الشاعرة، وإن أجادت بها، قصيدتا التفعيلة والنثر هما الأقرب لرقتها والتعبير عن مشاعرها.. الشكل العمودي رجالي بامتياز».

ينطوي هذا الخطاب على تحديد ما هو رجولي وأنثوي وربطه بالجندر، إنه يؤكد أن هنالك طبيعة لكلاً من الرجل والمرأة وفقاً للنوع الاجتماعي. إنه اذن تكريس لسلسلة طويلة من الأنماط المرتبطة بهذا التقسيم، والصفات الراسخة التي يأتي الشاعر ليؤكدها ببساطة، والتي تؤدي بالضرورة الى التمييز الذي يحدث في مستويات عديدة من وجودنا كنساء في هذا العالم.

أما في الأكاديميا بصفتها رافداً للثقافة، فتكاد القوانين الرادعة للتحرش في الجامعات الخليجية أن تكون مراوغة وغير واضحة وقابلة للتأويل، بحسب من سيعمل علي تأويلها طبعاً. في دراسة لم تجرى منذ زمن بعيد بل في عام 2017 لباحث سعودي يدعى أحمد عبدالكريم حمزة بعنوان «التحرش الجنسي بالمرأة: دراسة استطلاعية على المجتمع السعودي» وهي دراسة علمية محكمة يستخدم الباحث مقاييس من نوع: مساهمة الملابس الضيقة في التعرض للتحرش وقد حدد نسبة تبلغ ب 30.6%  كما استخدم مقياسا هو «قلة التوعية الدينية والأخلاق» في استمارة الاستبانة التي قرأت رأي المبحوثين. قد لا نجد شيئاً يمكن قوله حول هذا، وسنكتفي بقول ما قلناه بالفعل.

لا نريد أن نكون كما لو أننا نتعمد ان ننتقي عوامل قاتمة بالضرورة، لكن نقول أن وجود مثل هذه العوامل، قد تجعل في الوسط الثقافي مسوغات لتكريس الذكورية، والاعتداء على النساء وأجسادهن ومساحاتهن. وعدم وجود فضاء عام فاعل يناقش ويسائل هذا الاعتداء وآثاره، ولا دور السلطة فيه سواء بقوانينها المباشرة أو عبر منظومتها وعلاقات القوة فيها. ناهيك عن كونه مثل الأوساط الأخرى يعكس تراتبية وهرمية السلطة السياسية.

ربى خالد