لا مجنون ولا مريض: نحن لا نفهم المرض النفسي

شروق مجدي
نشر في 2018/06/01

الصورة: unsplash

في عام 2013 أثير لغط كبير بين علماء النفس بسبب ضم اعتلال نفسي جديد إلى كُتيب «DSM»، المُتعارف عليه لتشخيص المرض النفسي. الاعتلال الجديد هو «اضطراب الأعراض الجسدية»، ويعني تركيز المريض بشدة على أعراضه الجسدية.

ظهر معارضون شرِسون لهذا الاضطراب. كان قلقهم مُنصبًّا على الإمكانية الكبيرة لهذا التشخيص في أن يصِم أشخاصًا لديهم أمراض جسدية وليست نفسية. واحد من المحتجين أشار في مقال له إلى أن واحدًا من كل ستة أفراد مصابين بالسرطان أو أمراض القلب، سيتعرض للتشخيص خطأً بهذا الاعتلال الجديد.

تحدث دائمًا تعديلات على الكتيبات المُعتمَدة لتشخيص المرض النفسي، فتُضاف اعتلالات جديدة، أو تُحذَف أخرى اكتشفوا أنها ليست مرضًا من الأساس. المحتجون على موضوع اضطراب الأعراض الجسدية أظهروا حينذاك هواجس حقيقية من أن يُفتَح ذلك الباب لاعتبار كل من يختلف قليلًا في طباعه مريضًا نفسيًّا. الطبيعي أن طباعنا مختلفة في طريقة إدراكنا وتعاملنا مع مشكلاتنا المتعددة. ماذا لو كان ذلك الشخص يشعر بألم حقيقي يقلقه، وتجاهله الأطباء باعتباره مريضًا نفسيًّا؟

لم تكن تلك المرة الأولى في الطب النفسي، ولن تكونَ الأخيرة، فهل نحن متأكدون من أننا نفهم المرض النفسي حقًّا؟

«تجربة روزنهان»: عاقل في مصحة المجانين

ماذا أثبت «روزنهان» بتجربته؟

كم يا تُرى من المقيدين بمصحات نفسية عقلاء؟ وكم من الطلقاء مرضى وفي أمسِّ الحاجة للعلاج؟

«لو كان العقل والجنون موجودين، فكيف يمكننا معرفتهما؟». بهذا السؤال افتتح العالم «روزنهان» مقاله الشهير عن التجربة التي أجراها عام 1973، فقد دخل ثمانية أشخاص أصحاء تمامًا إلى مصحات نفسية، وكان من بينهم روزنهان نفسه. وَزَّع هؤلاء أنفسهم على مصحات مختلفة في خمس ولايات شرق الولايات المتحدة وغربها لضمان أكبر قدر من التنوع.

كان الأمر كالتالي: يدخل كل واحد منهم إلى المستشفى بملف لا يحتوي سوى اسم ووظيفة مُستعارَيْن. لا شيء عن التاريخ المرضي للشخص أو وصف لظروفه. وشكوى المريض الوحيدة في مكتب الاستقبال كانت «أنا أسمع أصواتًا». وكان هذا كافيًا لإدخالهم المصحة باعتبارهم مرضى.

بعد دخولهم المصحة مباشرةً توقف هؤلاء الأشخاص عن التمثيل، وبدأوا يتعاملون بشكل طبيعي تمامًا مع طاقم المستشفى والمرضى من حولهم. الشيء الوحيد غير الطبيعي الذي ظهر من بعضهم كان بعض العصبية، وكان ذلك راجعًا إلى حقيقة أنهم صُدموا من إدخالهم المصحات واعتبارهم مرضى بتلك السهولة. رغم أن كل التقارير عن المرضى أشارت إلى كونهم ودودين، ومتعاونين، ولا يُظهِرون أي علامات غير طبيعية، فلم يكن شيءٌ من هذا كافيًا لإثارة تساؤلات طاقم المستشفى.

متوسط المدة التي قضاها هؤلاء الأفراد داخل المصحات كانت 19 يومًا لم ينتبه فيها أحد إلى أنهم أصحاء بالفعل. وحتى عند خروجهم من المصحات كُتِبَ على ملفات سبعة منهم أن «هذا الشخص مريض بشيزوفرينيا في حالة خمود». ويخبرنا روزينهان: إذا كنتَ ستخرج من المصحة النفسية، فإن مرضك في حالة خمود، لكنك لستَ عاقلًا. لا يمكن أبدًا أن تكون غير مريض من الأساس.

عرض روزينهان نتائجه على طاقم إحدى المصحات، فلم يصدقه أحد. «لا يمكن لخطأ كهذا أن يحدث»، هكذا قالوا. لم يحاول روزينهان أن يجادل كثيرًا، لكنه أخبرهم بأنه في الثلاثة أشهر التالية سيرسل مزيدًا من مرضاه الوهميين إلى تلك المصحة بالذات، وتحداهم أن يتمكنوا من تحديد هؤلاء الأشخاص.

مضت ثلاثة أشهر، وعقِد اجتماع لعرض النتائج. من ضمن من دخلوا المصحة خلال تلك الفترة، حدد الطاقم 41 شخصًا كمرضى وهميين بشكل قاطع، بينما أظهروا شكوكهم تجاه 23 فردًا آخرين. المفاجأة: لم يرسل روزينهان أي شخص إلى المستشفى. لقد خدع الطاقم، وكل هؤلاء الأفراد الذين حددوهم كانوا مرضى بالفعل في المصحة، وليسوا مرضى وهميين.

لك حرية أن تتخيل مدى خطورة الأمر. إن أطباءً ومختصين نفسيين لم يستطيعوا معرفة أن الشخص الذي أمامهم لا يعاني أي اضطراب نفسي. وبعد قليل وقفوا أمام شخص آخر، وقالوا إنه سليم تمامًا، بينما كان الأخير يعاني بالفعل من مرض نفسي. كم يا تُرى من المقيدين بمصحات نفسية عقلاء؟ وكم من الطلقاء مرضى وفي أمسِّ الحاجة للعلاج؟

قد يعجبك أيضًا: لماذا نعتبر تمرد المرأة مرضًا نفسيًّا؟

«قضية مونتين»: عذرًا، ظنناك مريضًا

في عام 2014 رفع المواطن الأمريكي «جون مونتين» قضية تعويض قدرها 22 مليون دولار على مصحة نفسية كان مُحتَجزًا بها كمريض. كان قد أُلقي القبض على مونتين عام 1992 بتهمة اقتحام منزل وتبادل إطلاق النار مع الشرطة لمدة 11 ساعة.

كانت رواية رجال الشرطة للأحداث تقول إن مونتين اقتحم منزلا وادَّعى أنه كان مملوكًا لأجداده، وعندما تدخَّل رجال الشرطة تبادل معهم إطلاق النار لمدة 11 ساعة.

في المحكمة، قال مونتين والشهود إن أصحاب المنزل هم من حملوا الأسلحة في وجه جون، وهم من تبادلوا إطلاق النار مع الشرطة، بينما اختبأ الرجل. لم يصدقه أحد، وقررت هيئة المحكمة أن ترسله لمصحة نفسية. حاول مونتين باستمرار أن يؤكد أنه بريء. للأسف، كان ذلك تحديدًا دليلًا كافيًا على أنه يهلوس. حتى في المصحة عندما حاول مونتين أن يقنع الأطباء بأنه غير مريض ورفض أخذ الدواء، وُصِف ذلك في تقارير الأطباء بأنه دليل على المرض النفسي.

ظل مونتين حبيس المصحة من 1992 وحتى 2012، حين استطاع محاميه أخيرًا أن يقنع المحكمة بإعادة النظر في قضية موكله. بإعادة النظر إلى ملفات القضية وجدت المحكمة أن مونتين لم يكن مريضًا، وقرروا إطلاق سراحه.

أُطلِقَ سراح الرجل بعد 20 عامًا من الحبس في المصحة، وكان قد حُرِمَ من تكوين أسرة، ومباشرة عمله، وحتى حضور جنازة والدته. لم يلفت نظر أيٍّ من أطباء المصحة أو ممرضيها طوال تلك السنوات أنه ليس مريضًا من الأساس، ولذلك كانوا أول من قاضاهم فور خروجه.    

فوضى حلبة المصارعة: المرض النفسي في ملفات الصحة

الصورة: 日本語

المشكلة ليست في الاعتماد على النظرة الشخصية لتشخيص الأمراض النفسية، بل في تشابه الأعراض بين الأمراض مما يؤدي للتشخيص الخاطئ.

وفقًا للرابطة الأمريكية لعلم النفس (APA)، فإن تشخيص الأمراض النفسية قائم أكثر على «اجتهادات فردية». يُشخص الطبيب مرضًا نفسيًّا بعينه عندما يرى أن أعراض مريضه تتوافق مع المعايير المذكورة في الكتيب التحليلي والإحصائي للأمراض العقلية (DSM)، وهو كما ذكرنا من الكتيبات المُعتمَدة لتشخيص المرض النفسي.

ربما كانت تلك الاجتهادات السببَ الرئيسي في ارتفاع نسبة سوء التشخيص في الأمراض النفسية. فبحسب دراسة، 83% ممن أرسلهم المختصون ليبدأوا علاجًا نفسيًّا، كانوا مصابين بمرض عضوي لم يشخصه أحد.

المشكلة الرئيسية في الأمراض النفسية حتى هذه اللحظة أنها لا تقوم على أي إجراءات معملية. الطبيب هنا لا يرى شيئًا ماديًّا أمامه، لا يرى اعتلالًا في نسبة مادة معينة في الدم مثلًا، أو سوء عمل في عضو معين.

الأسوأ أن تشخيص المرض النفسي يقع بنسبة كبيرة على وصف المريض نفسه لأعراضه. ولأجل هذا نجد دراسات تخبرنا بأن «اضطراب ثنائي القطب» (Bipolar) مثلًا أكثر الاضطرابات وقوعًا تحت طائلة خطأ التشخيص. ففي إحدى الإحصائيات يخبرنا الباحثون بأن 69% من مرضى البايبولار يقعون ضحايا لسوء التشخيص في البداية، بينما يظل ثلثهم تقريبًا بدون تشخيص صحيح لمرضه لمدة تزيد عن 10 سنوات. يفسر الباحثون ذلك بأن المريض يلجأ إلى طلب مساعدة الطبيب في حالات اكتئابه فقط، بينما يغفل ذكر حالات (الهوس) فرط الطاقة التي مر بها، والتي تعد جزءًا أساسيًّا في تشخيص الاضطراب.

المشكلة ليست في الاعتماد على النظرة الشخصية للتشخيص وحسب، بل إن تشابه الأعراض بين الأمراض النفسية في الكتيبات المعتمَدة للتشخيص تؤدي بكثير من الأطباء للخطأ، وتشخيص مرض بعينه على أنه مرضٌ آخر تمامًا.

على سبيل المثال، تخبرنا إحدى الدراسات بأن اضطراب ثنائي القطب و«اضطراب الشخصية الحدية» من أكثر الأمراض التي تختلط على الأطباء، فيأتي تشخيص مريض الشخصية الحدية بنسبة كبيرة على أنه مريض الاضطراب ثنائي القطب. بينما تنقل إلينا دراسة أخرى أن 37% من مصابي اضطراب ثنائي القطب يكون تشخيصهم خطأً بالاكتئاب. إنها فوضى عارمة.

الأمر أشبه بحلبة مصارعة الثيران. هناك من يهرب، وهناك من يحارب، وهناك من يسقط، وهناك من يهلل. ولا أحد يعرف بالضبط ما الذي يحدث. فوضى عارمة وضوضاء في كل الأرجاء. هل لهذه الفوضى أن تنتهي يومًا؟ هل سنملك في المستقبل أدوات أفضل لفهم المرض النفسي وعلاجه؟ فلنتمنَّ ذلك.

قد يهمك أيضًا: حكايات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب

استعارة الكهف لأفلاطون: ما لا نعيه لا وجود له

قديمًا كنا نعزو أي سلوك غريب عنا إلى الجن والشياطين. هذا الشخص يعاني من الهلاوس، لإنه يحادث الشياطين.

يذكِّرني ذلك كله باستعارة الكهف الشهيرة لأفلاطون. في تلك القصة، يُسجن ثلاثة أشخاص داخل كهف منذ ميلادهم. أمامهم حائط عريض وراءه حلقة نار. نتيجة ذلك، أي شخص أو حيوان أو شيء يمر بجانب الكهف، تعكسه النيران على حائط المسجونين في هيئة ظل. لذلك، فإن المسجونين لم يروا طوال حياتهم سوى ظلال، فاعتقدوا أنها حقيقة العالم، ولا شيء سواها.

في يوم ما يستطيع أحد الرجال أن يهرب من الكهف إلى العالم الخارجي. يذُهَل بالطبع لما يراه، ويعود إلى أصدقائه ليخبرهم أن الظلال ليست العالم الحقيقي. ما الذي يقوله الرجل؟ أشياء تتحرك وأشكال وألوان؟ لا يصدقه أحد من الرجال، ويتهمونه بالجنون.

إننا نتحرك داخل إطارات وعينا، وكل ما لا يسكن ذلك الوعي ليس له وجود في عالمنا. تؤرقنا تلك الأفكار التي تناقض هذا الوعي. لذلك، فإننا نحاول طوال الوقت أن نجد لها تفسيرات تريحنا.

قديمًا كنا نعزو أي سلوك غريب عنا إلى الجن والشياطين. هذا الشخص يعاني من الهلاوس، إنه يحادث الشياطين إذًا. هذا الشخص تتغير شخصيته بشكل مفاجئ، مسَّه الجن إذًا. الخوف الآن أن نكون نحن أيضًا نعزي كل ما هو غريب عنا إلى كونه مرضًا نفسيًّا.

لعلك قابلتَ في حياتك مواقف كثيرة، فقد يمرض شخص، ولا تُظهِر فحوصاته اختلالًا ما، فيُقال في النهاية إن الأمر نفسي. لكن ماذا لو كان هؤلاء الأشخاص مصابين باعتلالات لم يكتشفها عالمنا بعد؟

يثير البعض حقيقة أن كثيرًا من المشخصين بمرض نفسي تسوء حالتهم باستمرار، مثل مرضى الاكتئاب المزمن، أو لا يستجيبون للعلاج بالأصل، ما قد يقترح أن هناك بالفعل مشكلةً خفية لم نعرفها، ولم نعالجها. «كثير من المصحات العقلية متاحف حية لأمراض عضوية لم يكتشفها أحد»، هكذا يخبرنا أحدهم.

الصورة: Library of Congress

في السنوات الأخيرة بدأنا نرى دراسات لا حصر لها تخبرنا عن زيادات مُفجعة لنسبة الأمراض النفسية في عالمنا الحالي. فمثلا نسبة تشخيص الاضطراب ثنائي القطب قد زادت 40 ضعفًا في عقد واحد. ومعدل استخدام مضادات الاكتئاب زاد بنسبة 400% في أمريكا.

قراءة تلك الأرقام وحدها قد تجعل قشعريرة الرعب تسري في جسدك كله. لكن هل فكرت يومًا في أن تلك الزيادات ربما تكون فقط لأننا أصبحنا نلقي بكل شيء تحت طائلة المرض النفسي؟

حتى عام 1973 كانت المثلية الجنسية مصنفة في الكتيب التحليلي والإحصائي للأمراض العقلية كمرض عقلي. حينها، كان العالم يتعامل مع المثلية الجنسية على أنها أمر غريب وغير مفهوم، وربما كان هذا سببًا أساسيًّا في وضعها تحت تصنيف الأمراض النفسية.

هل نحن متأخرون بالفعل في دراسة المرض النفسي وفهمه؟ أم إننا نسير في طريق خطأ تمامًا لم يكن لنا أن نسلكه من البداية؟

وجود حائط نتكئ عليه عندما نقابل شيئًا لا نفهمه قد يمنعنا من إثارة التساؤلات. فوضعنا كل شيء لا نعرفه أو نحدده تحت تصنيف المرض النفسي سيمنعنا من محاولة فهم كثير من الاعتلالات التي نراها بشكل يومي. المعايير الدولية لتصنيفات المرض النفسي تتغير بشكل دوري. يضيفون بعض البنود، يزيلون بعضها، أو يضيفون مرضًا جديدًا تمامًا لم نكن نعرفه. التصنيفات غير واضحة، والاختلافات بين الأعراض وبعضها أيضًا غير واضحة، وما حدث مع المثلية الجنسية مثال بسيط لذلك.

لا أقول هنا إنه لا وجود للمرض النفسي، فالدراسات البيولوجية الحديثة أخبرتنا بشكل واضح عن وجود اعتلالات بمواد كيميائية بالمخ تكون مُصاحبة دائمًا للمرض النفسي. الأمراض النفسية ليست مجرد إحساس أو بعض الحزن الذي سيزول كما يقول البعض، لكن سياسة التشخيص التي نتبعها حاليًّا خطيرة بالفعل. واتجاهنا في السنوات الأخيرة لوضع كل غريب عنا تحت لافتة المرض النفسي، وإضافتنا اضطرابات جديدة تحت نفس اللافتة أخطر بكثير.

ربما كنا نحبس آلافًا في المصحات النفسية فقط لأن سلوكياتهم غريبة عنا، ونحقن آلافًا بمضادات الاكتئاب بينما عضو أساسي في جسدهم هو المُعتَل.

هل نحن متأخرون بالفعل في دراسة المرض النفسي وفهمه؟ أم إننا نسير في طريق خطأ تمامًا لم يكن لنا أن نسلكه من البداية؟ المؤشرات التي عرضناها هنا قد تعطيك تخيُّلًا بسيطًا للأمر.

شروق مجدي