ما لا يقولونه في الفقد: كيف نتعايش مع موت عزيز؟

شهد عبد الله
نشر في 2020/07/26

الصورة: pxhere

«الله يعوضك باللي أحسن منه، ربي أخذه لأنه يحبه، مصيرك بتكبرين وتنسين».

هذه العبارات هي أول ما يخطر بأذهاننا عند الرغبة بمواساة من فقد عزيزًا عليه، وهي في العادة لا تقدم مواساة حقيقية، وغالبًا ما يعتذر قائلها بأن الوضع حرج ولا أحد يعلم ما المفترض قوله، وأنا من ضمنهم.

قبل سنة من الآن لم أكن أعرف سوى جملة واحدة تقال عند التعزية: «عظم الله أجرك»، حتى مات أخي.

سنة تغير الكثير

الصورة: Marcela

شاب بعمر السابعة عشرة، ذهب بعد استلامه ثوب العيد بكل حماس إلى مطعمه المفضل للعشاء، اشترى وجبته وخرج يبحث عن مكان السيارة، وفي لحظة، في بضع ثوانٍ فقط، أشاح بنظره عن الطريق، لتأتي سيارة مسرعة وتأخذ روحه وجزءًا من أرواحنا، هذا الشاب كان أخي عبد العزيز.

ذهبت في حياتي إلى أكثر من عزاء، وسمعت العديد من القصص عن وفاة أشخاص أعرفهم وآخرين لا أعرفهم، وكنت في كل مرة أتألم لسماع هذه الأخبار وأبكي أحيانًا عند تخيل شعور أحباء المتوفى. ظننت بسذاجة أني أعرف تمامًا ما يشعرون به، حتى جربت الشعور.

أن تكبر مع شخص وتقضي حياتك معه وتُفاجأ باختفائه إلى الأبد، أمر أصعب من أن يستوعبه أحد. شعرت أني في رواية أو مسلسل أو حتى فيلم لأن هذه الأشياء لا تحدث في الواقع، أو على الأقل في واقعي أنا. بعد مرور أشهر على هذه الفاجعة؛ ظننت أنها نصيب عائلتنا من الحزن، حتى فقدنا ابن خالي بعد شهر. اسمه كان أيضًا عبد العزيز، وتوفي أيضًا في حادث سيارة. كان الحدث كابوسًا مزعجًا تكرر مرتين، حينها عشت شعورًا مشابهًا ومختلفًا في نفس الوقت، وتعلمت بعض الأمور من تجربتي الأولى، مما ساعدني في الثانية.

لذلك قررت أن أنقل تجربتي وتجارب من حولي، لعلها تساعد من مر بتجربة فقد وخانته كلماته في التعبير عن شعوره، ومن اختنق بمشاعره ولم يجد من يشاركه الألم، ومن يرغب في فهم ومواساة شخص عزيز عليه مر بتجربة مشابهة.

بعد تجارب كهذه يشعر المرء بمشاعر غريبة للمرة الأولى، ويحاول التعايش مع وضع جديد أكبر من قدرته على التحمل، ويشعر من فرط الألم بأنه وحده من يمر به. سأكتب هنا لتشعر يا من مررت بتجربة كهذه أنك لست وحدك. 

الحزن له مراحل؟

الصورة: needpix

«الصدمة كانت صعبة، بس في أيام العزاء كلها كنت في مرحلة الإنكار، نصي يعيش عزاء والنص الثاني ينتظر رسالة أو مكالمة منه. بعدها مريت بمرحلة التقبل بشكل مفاجئ، بس الحين وبعد مرور شهر بدأت أعيش أصعب أيامي، أنهار كثير وأحاول أستوعب إنه راح، أحس إني أعيش مراحل الحزن كلها في كل وقت وفي كل يوم، فجأة أحس بالإنكار، وشوي أتقبل الفكرة، وبعدين أنصدم وأكتئب وأعيش المراحل كلها مرة ثانية».

هذه ديما التي فقدت أخاها منذ شهر تشرح مراحل الحزن التي مرت بها. يمر البعض بمراحل الحزن كما وصفها نموذج «كيوبلر روس»، ابتداءً بالصدمة، عندما يبدو كل شيء غير منطقي؛ فكيف لشخص اعتدت وجوده في حياتك أن يرحل إلى الأبد؟ تتكرر الأحداث في ذهنك كل يوم، تمر عليك كشريط فيلم يسردها بتسلسل محاولًا جعلك تستوعب ما حدث، لتشعر بأن استمرار الحياة بعد هذه الفاجعة أمر مستحيل، وهذا ما يجعلنا نلجأ للإنكار كوسيلة للبقاء على قيد الحياة في الفترة الأولى.

تأتي بعدها مرحلة الغضب كرد فعل لما حدث لك؛ قد تصب غضبك على الأطباء أو الأصدقاء والعائلة، أو قد تغضب على فقيدك لأنه رحل عنك، تشعر بأن ما يحدث لك غير عادل وتتساءل: «لماذا أنا؟ وما الذي فعلته لأستحق هذا؟». قد تُظهر غضبك المكبوت على شخص لم يحضر العزاء، أو تُحمل مسؤولية الوفاة شخصًا لا ذنب له، وقد تغضب على نفسك لأسباب اختلقتها. تختلف طرق إظهار شعور الغضب، لكنه مرحلة طبيعية.

بعد ذلك نبدأ بالشعور في مرحلة المساومة بأننا مستعدون لفعل أي شيء لتغيير هذا الحدث: «سأصلي أكثر»، «لن أقترف هذا الذنب مرة أخرى، ولكن ليعد فقيدي». تبدأ تساؤلات عديدة من نوعية «ماذا لو؟»، تليها أمور نظن أننا لو فعلناها لاختلف وضعنا الآن، نرغب بشدة في العودة بالزمن لإصلاح ما تسبب في الوفاة، وهذا ما يدفعنا للتساؤل: ماذا لو أوقفنا الحادث، عالجنا المرض قبل انتشاره، منعناه مما فعله، كنا معه في تلك اللحظة؟ تختلف تساؤلاتنا ويبقى شعور الذنب بأن هناك ما كان بإمكاننا فعله بشكل مختلف؛ ولأننا لم نفعله، فقدناهم.

عند إدراكنا لحقيقة الأمر تبدأ مرحلة الاكتئاب، وهي لا تعني بالضرورة أنك مريض نفسي، وإنما هي استجابة تلقائية لخسارة كبيرة كهذه: ننسحب من الحياة، نشعر بحزن عميق يبدو وكأنه سيستمر إلى الأبد، لا نرى جدوى من الإكمال.

يرى البعض بأنه حالة يجب إصلاحها، بينما هي استجابة تلقائية وطبيعية، بل ومن غير العادي ألا يكتئب شخص بعد خسارة من يحب، فإدراك أن شخصًا عزيزًا عليك لن يعود لهو أمر محبط، والمرور بذلك خطوة مهمة للتصالح مع الوضع.

ومن ثم تأتي مرحلة القبول بحقيقة أن محبوبنا قد رحل فعلًا، والاعتراف بأن هذا الواقع الجديد هو الواقع الدائم. لن نحب هذا الواقع، لكننا سنتقبله ونتعايش معه لأنها الوسيلة الوحيدة للاستمرار.

غالبًا ما يعتقد الناس أن المراحل تستمر لأسابيع أو لأشهر طويلة، متناسين أنها مشاعر يمكن أن تستمر لدقائق أو ساعات، ونحن نتقلب بينها ونخرج من شعور لنعيش آخر، ويعتمد ذلك على طبيعة الفرد وطريقة تعامله مع حزنه. قد تتقبل الموضوع في بادئ الأمر ولا تشعر بالحزن، ثم تنهار من الصدمة بعد مرور أشهر، وقد تمر بها جميعها في يوم واحد تمامًا كما شعرت ديما.

خلال تلك المراحل، ستشعر بمشاعر قد تعجز عن فهمها أو معالجتها، قد تظن مثلًا أنك تخطيت الصدمة وتنهار باكيًا على أمر سخيف، أتذكر أني بكيت مرة بعد ليلة سعيدة قضيتها مع صديقاتي فقط لأني نظرت إلى التاريخ الذي كان يعلن بداية سنة جديدة، شعرت بصدمة أن سنة جديدة ستبدأ دون أخي، وهذه الحقيقة المرة هي واقعي الجديد. وبعد وفاة قريبي بكيت عند سماعي صوت المطر، لأنها كانت المرة الأولى التي تمطر فيها وهو في قبره، وبدلًا من دعائي لأخي فحسب، ضممت اسمًا آخر إليه.

وهكذا قد تنهار لأمر يحدث للمرة الأولى دون فقيدك، أو حتى لكلمة عابرة ذكرتك به، وهذا لا يعني أنك عدت لنقطة الصفر؛ فهذه التفاصيل ليست سوى محطات قد تحتاج للمرور بها في رحلتك للتصالح مع واقعك الجديد.

الفقد شعور يشبه الخوف

تقول قريبتي سارة التي فقدت أخاها: «أخاف أدعي دعوة اللهم آنس وحشته، ما أقدر أتخيل إنه في وحشة». بينما تقول ديما: «أخاف من أي حدث ممكن يصير بالمستقبل مهما كان سخيف، خايفة أعيش أحداث بدونه».

الاثنتان أضافتا كلمات معبرة تشبه بعضها حين قالتا: «أخاف يدخلون بحياتي أشخاص ما يعرفونه لأنه جزء مني، كيف أخلي أطفالي في المستقبل يعرفونه؟ كيف أخلي كل شخص أتعرف عليه مستقبلًا يحبه وكأنه موجود؟».

شاهدت قبل فترة مقطعًا من «TEDx» لامرأة فقدت زوجها، وشعرتُ بأن تعبيرها عن الفقد يشرح شعوري بشكل دقيق، قالت عنه ببساطة إنه شعور يشبه الخوف أكثر من الحزن.

الخوف من مستقبل لا يحمل اسم فقيدك، والخوف من أن يُنسى كأنه لم يكن، والخوف من أن تعيش ألمًا كهذا مرة أخرى، من أن تكبر وحدك وأحباؤك يختفون واحدًا تلو الآخر؛ وهذا طبيعي، فإذا كان أسوأ مخاوفك أصبح واقعًا، من المنطقي أن تشعر أن كل شيء قابل للحدوث، فتخاف بشدة أن تعيش نفس الألم مرة أخرى. نحن نتجاوز بعضًا من خوفنا عند التصالح مع الموت؛ فهو حقيقة لا مفر منها وقلقنا لن يمنعه من الحدوث، إنما سينغص علينا حاضرنا فحسب.

تختلف طريقة التعبير، والحزن واحد

الصورة: pickpik

في أثناء هذه الفترة العصيبة ستسمع الكثير من التعليمات غير المباشرة، وستظن أن طريقة الحزن واحدة، وأن شعورك يجب أن يترجم بطريقة معينة، كبكائك المستمر أو انقطاعك التام عن العالم الخارجي، وغيرها من الأمور التي تضع حزنك في قالب معين، تشعر عند خروجك عنه بأن حزنك مزيف وأنك تسيء لفقيدك.

في المقابل، قد تحتاج فعلًا لفترة طويلة من الانعزال خلال مرحلة الاكتئاب، ستحزن وتشاهد صور فقيدك وتكتب له وتتحدث عنه باستمرار، وقد تجد راحتك أيضًا في اللحظات البسيطة التي تحاول الاستمتاع فيها بوقتك بممارسة هواياتك والخروج مع العائلة والأصدقاء. في كلا الخيارين، قد يُقال لك إن ما تفعله خاطئ، إضافة للكثير من الوعظ بشأن الطريقة التي يجب أن تتعامل بها مع مشاعرك.

في هذا، أنت وحدك من تحدد طريقة تعبيرك عن حزنك بما يريحك وبالمدة التي تناسبك. تجاهل من يحاول أن يفرض عليك طريقته، فانعزالك واكتئابك لا يعني أنك غير طبيعي. وفي المقابل، ممارستك لحياتك الطبيعية ومحاولة الانغماس في أنشطة جديدة لا تعني أنك لم تحزن، ولا تنسَ أن اختيارك قد لا يناسب غيرك، فعبر عن حزنك بطريقتك، ودع الآخرين يفعلون ذلك أيضًا.

صراع التخطي والنسيان

الصورة: wallpaperflare

عند إدراك الحقيقة المؤلمة ندرك أيضًا أننا سنضطر للتعايش معها، وسنعود يومًا ما لحياتنا الطبيعية. ترعبنا هذه الفكرة بقدر ما نتمنى حدوثها، فالعيش في حزن أبدي يقتلنا ونحن أحياء، ولكننا في نفس الوقت نشعر بنوع من الخيانة لفقيدنا عندما نقضي وقتًا ممتعًا أو حتى نعيش يومًا طبيعيًا.

نتجاوز هذا الصراع بإدراكنا أن الأمرين لا يتعارضان؛ قد نعيش حياتنا على أكمل وجه ويبقى بداخلنا حزن الفراق، فاستمتاعك بيومك لا يعني نسيان من فقدت.

لا تضع قالبًا لحزنك ولا تقسَ على نفسك؛ فالحياة تشبه شعورك المتقلب، ستأتي أيام لن تطيق فيها شيئًا، عش حزنك خلالها ولا تكبت شعورك أو تهرب منه. في أيام أخرى سترغب في الاستمتاع بوقتك، وحتمًا ستفيدك العودة لأنشطتك اليومية والتنفيس عن مشاعرك بما تستمتع به، وعندها لا تصدق الصوت الذي يُشعرك بالذنب ويخبرك بأن متعتك المؤقتة تعني تخطيك لفقيدك.

فوبيا النسيان

الصورة: wallpaperflare

بعد مرور فترة طويلة من الزمن، قد تخشى التحدث عن فقيدك خوفًا من أن تحزن أحدًا دون قصد، أو تفسد متعة من حولك، فتعيش في حيرة وخوف من أن حديثك عنه سينغص المتعة، وسكوتك يعني أنه منسي.

ابحث عن الأشخاص المناسبين من عائلتك أو أصدقائك أو حتى من الإنترنت وتحدث معهم عن مشاعرك، فمن الطبيعي أن تخشى نسيانه ومرور يوم دون تذكره، وأن تخسر كل ما تبقى لك منه: بضع ذكريات. اطمئن، إن كان شخصًا تحبه فلن تنساه ما حييت.

تختلف طرق التعامل مع هذا الشعور تمامًا كما تختلف طرق التعامل مع الحزن، فلكل منا طريقته الخاصة التي تساعده في ذلك، ومن واقع تجربتي ساعدتني بعض الأمور التي قد تساعدك أيضًا في تخطي الشعور:

  • ابحث عن طريقة تخلد بها ذكرى فقيدك وتخلق نوعًا من التواصل بينك وبينه: تذكر تفاصيله جيدًا، ما يحب ويكره، وما كان يتمنى فعله قبل وفاته، ثم افعل شيئًا تشعر بأنه سيسعده لو كان حيًا. لنفرض أنه يحب الحيوانات، تطوع أو تبرع لمساعدتهم. لو كان يؤمن بفكرة معينة جرب أن تنشرها. أو حتى أدِّ الأنشطة التي اعتدت أن تفعلها مع من فقدت، وربما تشعر بأنك على نوع من التواصل معه.
  • تحدث مع معارفه الذين لا تعرفهم: إن كان صديقك تحدث مع عائلته، وإن كان قريبك تحدث مع أصدقائه، جميعكم تتشاركون الحزن نفسه، فتبادلوا ذكرياتكم الخاصة به مع بعضكم. حديثكم عنه حتمًا سيخفف حدة الفقد، وسيُشعرك بأن العديد من الأشخاص يحملون ذكريات تضمن خلوده.
  • أعطِ نفسك دافعًا للحياة: ديما مثلًا قالت إن السبب الوحيد الذي يدفعها للاستيقاظ كل صباح والحلم بمستقبل مليء بالإنجاز هو أن تشعر بأن أخاها فخور بها، فجزء منها كان يفكر قبل كل قرار في برأيه، ولأنها تعرف جيدًا أنه سيشجعها؛ كان حاضرًا في قلبها دائمًا، وحتمًا سيكون سببًا في كل إنجاز لها.

عايش ولا ميت؟

الصورة: pixabay

«أحسه يشوفني ويسمعني ويعرف إيش أسوي، وكل ما أكلمه أحسه يسمعني مع أني أدري هالشيء غير واقعي، بس أفكر إن ممكن يكون بيننا نوع من التواصل الروحي، أنا وهو بس ومحد يحسه غيرنا».

هكذا تقول ديما، إذ أن البعض يمر بحالات غريبة يعجز عن تفسيرها، وقد يعتقد بأنه وحده يفكر بهذه الطريقة أو يشعر بهذه المشاعر. ديما مثلا شعرت بأنها على تواصل روحي مع أخيها، وفي المقابل كانت سارة تؤمن بأن فقيدها سيعود، متجاهلة حقيقة أنها رأته جثة هامدة. تقول: «اتصلت علينا خالتي مرة وقالت بأنها في الطريق وعندها مفاجأة، ولوهلة حسيت فعلًا بأنها جاية تبشرني بخبر إنه عايش، وكنت مؤمنة إيمان تام بأنها بتدخل علي وبتقول أخوك كان عايش وسبب اختفاءه غيبوبة توه يصحى منها، لدرجة إني لما جو وما سمعت الخبر حسيت بخيبة أمل».

حاول عقلها إقناعها بذلك لتخدير الألم الذي تشعر به، فعند الشعور باليأس نبحث عن بصيص أمل لنتمسك به، ونصدقه حتى إن لم يكن منطقيًا.

مواساة تزيد الطين بلة

«لما أفضفض لأحد ويقول لي: ترى هو ما يحتاج منك إلا الدعاء، ترى ما ينفع الحزن، ترى الصياح ما يفيده، أتضايق، أكيد أنا أدعي له بس هذا ما يعني أني ما أعبر عن حزني، أنا ما أصيح عشانه، أصيح لأني مشتاقة له، إذا الناس يبكون على مسلسل كيف ما أبكي على أخوي؟».

كانت هذه إجابة سارة على سؤال «ما أكثر كلمة أزعجتك؟»، وشاركها هذا الشعور الكثير ممن مروا بنفس التجربة، فمن المزعج أن تشعر في وقت كهذا بأنك فقدت أبسط حق لك، وهو التعبير عن حزنك.

«جملة "ربي كان يبغاه" تخليك تتساءل ليه هو بالذات؟ و"ربي بيعوضك بأحسن منه" تقهرني، ما في شخص في الحياة ممكن يعوض اللي فقدته، إنك تفقد شخص تحبه كأنك تفقد أحد أطرافك، ما راح يجي شيء يعوضك، بس بتتعلم شلون تتعايش مع اللي فقدته» - ديما.

يذكر البعض جملًا كهذه بشكلٍ غير مقصود بغرض المواساة، دون التفكير في وقعها على المستمع. لا يوجد أسوأ من تصوير فقدان شخص مهم وكأنه غرض قابل للتعويض أو الاستبدال. نحن لا نتخطى من نفقدهم، واختفاؤهم من حياتنا لا يعني أنهم سيختفون من قلوبنا أبدًا.

وش أكثر شيء ساعدك؟

الصورة: piqsels

حول أكثر ما ساعد في هذه التجربة تقول سارة: «لما الناس يطمنوني بإنه مرتاح وسعيد وما يحس بأي مشاعر سلبية، ولو خُير بأنه يرجع ما راح يختار يرجع لأنه حياته الآن أحسن من حياته قبل بمليون مرة» وتضيف: «لما اكتشفت إن الناس يتذكرونه؛ شخص كاتب دعاء له وشخص ثاني يحكي سالفة عنه وشخص حلم فيه، هذا يساعد كثير، وفكرت لو الدنيا كلها تنساه هو بيبقى في قلبي».

أما ديما فتجيب على السؤال بقولها: «لما أتكلم مع أشخاص عاشوا نفس تجربتي أحس إن كل شيء يقولونه يريحني، معرفة إنهم حسوا بنفس شعوري حسسني إني مو وحيدة، ولما كنت أشوف عائلتي قوية ويحكون عنه بأريحية وبأنه بمكان أفضل، أرتاح، في أشياء أنا نفسي عارفتها بس لما تجي من أشخاص معينين تطبطب علي».

وبالمثل تقول تالا: «لما ماما قالت لي إن فقيدتي قطعة من الجنة ورجعت مكانها، حسيت بعدها إنها بتكون بخير عند ربي».

كيف أساعد شخصًا يمر بشعور الفقد؟

لا توجد طريقة واحدة للمواساة، ولذلك تختلف إجابة هذا السؤال من شخص لآخر، وهذه هي الإجابات التي تكررت من أشخاص فقدوا أحبائهم:

«قولوا لهم يعيشون كل شيء يحسونه ويعبرون عن حزنهم بطريقتهم، بدون ما يفكرون بأحد غير أنفسهم» - ديما.

«لا تكثر من الكلام أو تمنعه من البكاء وتردد العبارات اللي يرددها الناس، فوجودك بجانبه يكفي حتى دون أن تتكلم» - أحمد.

«احترموا إن أحيانًا الشخص ماله نفس يمارس حياته بشكل طبيعي، عطوه وقته في الحزن، وطبيعي إنه ما يفضل يتكلم مع شخص ما عاش نفس شعوره لأنه يخاف ما يفهمه» - ديما.

«عطوه فرصة يبكي ويفضفض، لا تسكتونه لما يقول الكلام اللي الكل يسكته لما يقوله، مثل: أنا خايف إنه راح وهو زعلان وإني مقصر بحقه، ضروري الشخص يعيش ألمه بالكامل، يحكي عن اللي مكدره، يسرد خيبات الأمل، يقول الأشياء اللي كان وده يغيرها، وأحلامه المستقبلية مع هذا الشخص، ضروري يطلعها من قلبه، بعض التفاصيل مثل حضور زواج أو شراء هدية تخرج أو شوفة أطفاله، ضروري الواحد ينطق هالأحلام اللي ماتت بداخله، ويقول المستقبل اللي بباله عشان يتخطاه، ولا تستخسر الجلوس معه بوقت انهياره وسماع فضفضته، ذكره إن الحياة بتعدي بدون ما تعطيه امل فارغ، لا تقول بتنسى، لأنه مستحيل، الحزن بيظل موجود لكنك بتتعلم تتعايش معه، وربي بيرزقك بسعادة فوق هذا الحزن، ما بيعوض غيابه شيء بس بتجيك أشياء حلوة تسعدك» - سارة.

في النهاية، بنتخطى الشعور؟

الصورة: pikist

«في عز حزننا نتمنى أي شيء يخفف الشعور، ولما يخف نخاف ما نحزن كفاية، لأننا نشوف حزننا تعبير عن الحب» - ديما.

تذكر أن ذكرى فقيدك لا تقتصر على ألم فقده؛ فحياته أكبر من مجرد رحيله، لذلك حاول أن تربط ذكراه بحديثك عن شخصيته، والقصص التي عشتها معه، والذكريات التي شاركك إياها، والأمور التي تعلمتها منه، وكل التفاصيل التي تشعرك بأنك على تواصل معه؛ كأن تمارس هواياته، أو تقرأ كتابه المفضل، أو ربما تتحدث مع صديقه المقرب، وإن كانت هذه الأمور تحزنك في البداية، ستتعلم بعد فترة من الزمن التعايش مع ذكراه في روتينك اليومي دون أن ترتبط بدموعك.

أتذكر انهياري عند سماع فيروز لأول مرة بعد وفاة أخي حتى أصبحت أتجنب أغانيها، أما الآن في كل مرة أسمع أغنية لها أتذكر صوته وهو يغني أغانيه المفضلة وأبتسم.

لذلك؛ إذا كنت ترغب بمواساة أحدهم؛ أرجوك لا تخبره أن يتخطى حزنه أو أنه سينسى كل هذا يومًا ما. كن صادقًا بدلًا من أن تغرقه بإيجابية مزيفة. لن يكون الأمر سهلًا، ولن يتخطاه أبدًا، بل سيتعايش مع ذكراه، فالكثير من الأشخاص صنعوا من ذكرى من فقدوا تفاصيل تضمن خلودهم.

عندما نرحل أنا وأنت، لا أتوقع أننا سنرغب في أن يتخطانا أحد، وحتمًا سنرغب في من يسرد قصصنا ويتحدث عن ذكرياتنا، لأنها الطريقة الوحيدة التي تثبت أن الراحلين لم يرحلوا إلى الأبد؛ بل يعيشون في أرواحنا وكلماتنا.

ولأني لم ولن أتخطى رحيل أخي؛ كتبت هنا ليصبح لرحيله معنى، ولغيابه أثرًا كالتخفيف من حزن أحدكم. كانت الكتابة عنه طريقتي في تخليد ذكراه، وأنت جِد طريقتك الخاصة.

شهد عبد الله