من العدوان إلى الإصلاح.. الكويت بين اختبار المناعة ولحظة البناء الاستراتيجي

نشر في 2026/06/28

لم يكن العدوان الإيراني بصواريخه وطائراته المسيّرة التي استهدفت الكويت في أمنها ومنشآتها المدنية حلقة عابرة، بل محطة فارقة اختبرت مناعة الدولة على المستويات كافة، وأثبتت أن الأزمات تُقاس بقدرة الدول على تحويل جراحها إلى أساس تشاد عليه النهضة، واليوم، يبرز السؤال الجوهري حول كيفية تحويل هذه المحنة إلى منهاج استراتيجي شامل.

على الصعيد الإعلامي وُضع إعلام الأزمة أمام مسؤولية صناعة رواية وطنية ذات عمق نفسي، فالأمن الإعلامي خط دفاع مواز للجبهة العسكرية تطلب إنشاء غرفة عمليات موحدة تطلق خطابًا متناغمًا وموثوقًا مع تفعيل شبكات تحقق ذكية تستثمر في الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المزيف قبل استيطانه الوعي الجمعي، ليتجاوز الإعلام دور نقل المعلومات إلى ركيزة تعزز الصمود وترسخ ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة.

حين تستقر المؤشرات سيظل السؤال الأصعب، هل سنكتفي بتجاوز الأزمة أم سنحولها إلى لحظة إصلاح بنيوي في الخطاب والاقتصاد واللوجستيات والجبهة الداخلية؟

وفي المقابل كشفت الحرب أن الجبهة الداخلية المتماسكة هي الدرع الأول، خاصة بعد إحباط مخطط تخريبي لشبكة ميليشياوية موالية لإيران، هذا الأمر يفرض تحصين النسيج الاجتماعي من خطابات التحريض وتبني خطاب سياسي وطني يوحد الجميع ليتجاوز مفهوم "كويت الحكومة" إلى "كويت الدولة والمجتمع" ككتلة واحدة في مواجهة التهديدات.

اقتصاديًا ولوجستيًا أثبتت التجربة أن الاعتماد شبه المطلق على ممر الخليج العربي ومضيق هرمز يشكل نقطة ارتكاز هشة، ما يتطلب إعادة هيكلة البنية اللوجستية بالكامل عبر تنويع موانئ التصدير والاستيراد وتفعيل ميناء مبارك الكبير كبديل استراتيجي، وتأمين مخزون احتياطي بعيد المدى من السلع الأساسية والمحروقات، كما يستوجب التنسيق الخليجي للاستفادة من النماذج الإقليمية في تحويل الصادرات نحو موانئ الساحل الغربي وتسريع التنويع الاقتصادي، لأن الاقتصاد الريعي القائم على مصدر وحيد يظل الأكثر عرضة للابتزاز الجيوسياسي.

أما تعطل الملاحة في مطار الكويت الدولي فقد كان مرآة لغياب خطط التشغيل البديلة، ما يستوجب إنشاء مطارات احتياطية جاهزة وتحصين مرافق الطيران الحيوية بمعايير تأخذ في الحسبان احتمالية الاستهداف مع اعتماد بروتوكولات طوارئ مجربة، عبر تدريبات دورية وتنويع مسارات الرحلات لتقليل الاعتماد على مسار جوي وحيد يمر بمناطق التوتر..

إن ما جرى لم يكن حدثًا عابرًا بل اختبارًا شاملاً لمنظومة الدولة، وحين تستقر المؤشرات سيظل السؤال الأصعب، هل سنكتفي بتجاوز الأزمة أم سنحولها إلى لحظة إصلاح بنيوي في الخطاب والاقتصاد واللوجستيات والجبهة الداخلية؟ فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي تخرج أقوى هي التي تقرأ دروسها بصدق وتعيد بناء سياساتها على قاعدة صلبة من الوعي.