كلمة منشور: قانون الجنسية الجديد.. المواطنة أمانة الأجيال

نشر في 2026/04/14

بحكمة مستبصرة ورؤية تستشرف ما هو أبعد من الحاضر، تمضي الكويت نحو صياغة أفق جديد وواعد يتجلى في قانون الجنسية بصيغته المحدثة والرسمية بوصفه خطوة مفصلية في ترسيخ دعائم الدولة العصرية وصون تماسك المجتمع وحماية هويته الوطنية، بعد طول عبث ضرب بعرض الحائط مقومات الأصالة والانتماء، لذلك لا يمكن اعتبار قانون الجنسية الجديد نصًا قانونيًا فحسب، لأنه يمثل إطارًا سياديًا يعيد ترتيب مفهوم الانتماء ويمنحه معناه العميق في زمن تتسارع فيه التحولات من حولنا وتتشابك فيه الهويات، إذ يضع المواطَنة في موقعها الحقيقي كعلاقة أصيلة بين الإنسان ووطنه تقوم على الجذور والامتداد لا على الطارئ والعابر.

ومن هنا جاء حرص المشرّع على إعادة تنظيم الداخل الكويتي بروح من الإنصاف والوضوح، مع التأكيد على الامتداد التاريخي للإقامة منذ عام 1920، حيث تتجاوز هذه العودة إلى البدايات مسألة استدعاء الماضي لتكون تعبيرًا حقيقيًا عن التقدير لجيل التأسيس، مع التأكيد على أن الهوية الوطنية تُبنى بالتراكم وتصان بالوعي.. وهي خطوة في مبتغاها تصبو قبل كل شيء إلى الحفاظ على نقاء النسيج الاجتماعي وحمايته من أي اختلال قد يمس تماسكه أو يهدد وحدته أو يقوض تناغمه وانسجامه.

وفي جانب آخر حمل القانون لمسة توازن جلية، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة الكويتية، حيث لم تعد تفقد جنسيتها تلقائيًا عند الزواج من أجنبي، ما يعتبر تطورًا يعكس احترامًا أعمق لمكانتها القانونية والإنسانية، وفي المقابل فإن الضوابط المرتبطة بفقدان الجنسية في حالات محددة تأتي ضمن رؤية تحرص على أن تظل المواطَنة مرتبطة بعلاقة حقيقية ومسؤولية شفافة وليس مجرد صفة شكلية.

وعندما يؤكد القانون على مبدأ راسخ عالميًا، وهو أن الجنسية من أعمال السيادة فإنه يمنح الدولة الحق في تنظيمها بما يخدم أمنها واستقرارها، وهذا الأمر لا يُفهم بوصفه تشددًا بل كجزء من مسؤولية الدولة في حماية المصالح العليا للمجتمع، وضمان أن تبقى المواطنة قيمة مضافة لا مجالًا للاستغلال، كما لم يُغفل القانون مواكبة التطور العلمي، إذ اعتمد على البصمة الوراثية والقياسات الحيوية كوسائل دقيقة لحسم مسائل إثبات الجنسية، ما يعتبر خطوة مهمة في تعزيز الشفافية بأن تُخضع الأمور لمعيار العلم بدل الاعتبارات التقديرية.

إن ما نشهده اليوم في الكويت، لا يمكن النظر إليه بعين قاصرة على أنه مجرد تعديلات قانونية أو إجراءات تنظيمية، لأنه في يشكل في جوهره مسعى جادًا ورؤية متكاملة لإعادة تعريف المواطنة على أسس أكثر وضوحًا وصدقًا، بحيث تصبح هوية جامعة تقوم على الحقوق المقترنة بالواجبات وليس مجرد انتساب إداري أو امتياز وراثي، بما يعكس رسالة ذات دلالات عميقة، مفادها أن الكويت بواقعها السياسي والاجتماعي حريصة على صون هويتها الوطنية ومتمسكة بخصوصيتها العربية والإسلامية وبثوابتها الاجتماعية والثقافية التي شكلت نسيجها الأصيل لعقود، حيث تنظر الدولة إلى الانتماء الوطني باعتباره مسؤولية أخلاقية وقانونية قبل أن يكون امتيازًا مكتسبًا، إذ لا قيمة للانتماء دون عمل ولا معنى للمواطنة دون عطاء ولا اكتمال للهوية دون التزام بضوابطها وقيمها في ظل دولة القانون والمؤسسات.

وفي وقت تتجه فيه دول كثيرة إلى إعادة النظر في مفاهيم الهوية والسيادة، تبدو الكويت منسجمة مع هذا المسار وهي تؤكد أن حماية الوطن تبدأ من حماية هويته الوطنية، وأن المستقبل يُبنى بقرارات واعية توازن بين الثبات والتجدد، وهو ما يجعل قانون الجنسية الجديد انعكاسًا لثقة مجتمعية بالدولة ومؤسساتها ورغبة في بناء منظومة اجتماعية وثقافية أكثر تماسكًا وتنظيمًا، ما يعزز القناعة بأن الكويت تمضي بثبات نحو المستقبل دون أن تفقد صلتها بجذورها.