دروع الوطن الساهرة

نشر في 2026/07/16

في مشهد قد يسعى بعضنا لتخيله بينما لا يدركه الكثيرون تغافلاً رغم تكراره كل يوم وكل ليلة، جندي على الحدود يحدق في الظلام وطيار يراقب شاشات الرادار حتى الفجر، وبحار يتفقد كل موجة قد تخفي خطرًا في جنحة الليل أو وضح النهار، بينما نعيش حياتنا العادية فنذهب لأعمالنا وننسى أحيانًا أن هذا الأمان لم يأت من فراغ ثمة من يدفع ثمنه كل يوم بصمت دون أن ينتظر تصفيقًا ولا جزاءً ولا شكوراً

وهذا ما تفعله مؤسستنا العسكرية اليوم في مواجهة عدوان إيراني لا يكل ولا يمل من التصعيد العبثي المتواتر بهدف الإرباك والاستنزاف، فيصطدم يوميًا بجدار جاهزية أبطالنا البواسل على الثغور، فرجال القوات الجوية الذين أمضوا سنوات في التدريب يتخذون قرارات في أجزاء من الثانية قد تحدد مصير معركة الدفاع عن سيادتنا الوطنية، والقوات البرية تلك التي نادرًا ما نراها في الأخبار لأن عملها غالبًا ما يكون صامتًا، ترابط في مواقع قد تكون الأصعب مناخًا والأقسى ظروفًا، لكنها لا تشتكي، فهؤلاء الرجال يدركون في أعماقهم أن كل شبر من كويتنا يحمونه هو جزء من حاضرنا ومستقبلنا ومصيرنا جميعًا، أما القوات البحرية فمهمتها أشبه بحراسة شريان قد لا يراه أحد لكن الجميع يعتمد عليه وهو الملاحة والتجارة والاستقرار الاقتصادي، فضلاً عن تأمين مياهنا الإقليمية من المتربصين والمتسللين، ولا يمكن الحديث عن هذا كله دون التوقف عند رجال الحرس الوطني، فهم من يستقبل أي خطر بصدره حتى لا يصل إلينا، إنهم خط الدفاع الذي لا نراه إلا حين يحتفل الوطن بنجاته.
إن ما تفعله إيران هذه الأيام يصعب تفسيره بمنطق سياسي بحت، فهو يبدو أقرب إلى محاولة يائسة لإثبات قوة واهية وحالة نفوذ آفلة، لكن أيًا كانت الدوافع فإن الرد الحازم والمنضبط الذي نراه من مؤسستنا العسكرية ينم عن وعي وطني بخطورة الانزلاق إلى ما يريده العدو بالضبط، لتوسيع نطاق المواجهة وجر المنطقة برمتها إلى أتون الحرب الشاملة.

إن هذا التوازن الذي يتيمز به الجيش الكويتي ضباطًا و أفرادًا بين القوة والحكمة، هو ما يمنح مؤسستنا العسكرية اليوم مصداقية لا تفيها الكلمات التي نسطرها في هذا المقال قدرها وحقها في الثناء والإشادة فخرًا واعتزازًا بتضحيات البواسل في أرض معركة الصمود في وجه العدوان الإيراني الآثم، إن ما تحققه قواتنا المسلحة اليوم تحت قيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح -حفظه الله ورعاه- هو نتاج سنوات من العمل ومن قرارات قيادية لم تكن دائما سهلة، ومن تضحيات حقيقية قدمها رجال لا يخشون المنايا في سبيل أن يحيا الوطن آمنًا وشامخًا.

قد نتحدث كثيرًا عن السياسة وعن التحالفات وموازين القوى الإقليمية ونستشرف التداعيات والمآلات لكن خلف كل هذه التحليلات والسرديات يقف إنسان بسيط يرتدي بزّة عسكرية ويترك عائلته لأيام أو أسابيع، لأنه يؤمن أن هناك شيئًا أكبر يستحق الحماية، هذا الجندي قد لا تعنيه مقالاتنا التفاخرية ببطولاته، لكنه حقًا وفعلاً يستحق الإشادة بتضحياته الجسام في سبيل أن ينعم وطننا الغالي بالأمن والأمان، فحين ترى العلم يرفرف فوق منزلك بأمان، تذكر دومًا أن هناك من سهر الليلة الماضية لأجل ذلك، وحين تصحو كل صباح لتذهب إلى الدوام دون قلق، اعلم أن هناك من يقف على الحدود ليضمن لك هذا الصباح الهادئ.

العدوان الإيراني الآثم يتكرر وقد يطول، لكن الثابت الوحيد في كل هذا هو إرادة رجال يسبّلون أرواحهم رخيصة من أجل وطننا الغالي، فحق علينا أن نرد لهم الجميل بالوفاء والعرفان داعين المولى -عز وجل- أن يحفظهم كما يحفظوننا كل يوم، فتحية إجلال وإكبار لكل جندي، لكل طيار، لكل بحّار ولكل رجال الحرس الوطني، أنتم حماة الديار وبتضحياتكم ننعم كل يوم وكل ليلة بالأمان والاطمئنان في وطن النهار.