توزيع المعلمين.. هدف مشروع وتوقيت يحتاج إلى مراجعة
لا شقاق بين العقلاء والمنصفين في أن إعادة توزيع الكوادر وفق الحاجة الفعلية للمدارس هدف مشروع إداريًا وتعليميًا، ولا خلاف كذلك على أن العدالة في توزيع المعلمين والأنصبة والهياكل التنظيمية ملف يستحق المعالجة، كما أن وضع ضوابط ومعايير واضحة وتحديد متوسط للنقل لا يتجاوز 11.2 كيلومترًا، يعكس محاولة صادقة لتخفيف الأثر على العاملين، غير أن نجاح أي إصلاح لا يُقاس بسلامة الفكرة وحدها، بل بسلامة توقيتها أيضًا.
فتنفيذ 8703 قرارات نقل بعد أسابيع من انطلاق العام الدراسي، يأتي في وقت نسج فيه الطلبة علاقتهم بمعلميهم وبيئتهم الصفية، واستقرت فيه الخطط والجداول وتوزيع الحصص، وانتقال المعلم في هذه المرحلة يعني عمليًا قطع تلك العلاقة وإعادة بناء الجداول وتعويض ما فات، ما قد ينتج عنه فاقد تعليمي يصعب تعويضه، عطفاً على تداعياته النفسية والتنظيمية والتعليمية خصوصًا في الصفوف الانتقالية وصفوف الشهادات.
وفي المقابل يجد المعلم أو الإداري المنقول نفسه مضطرًا إلى التأقلم سريعًا مع مدرسة جديدة وزملاء وطلبة جدد، وربما مع ترتيبات أسرية ومعيشية لم يكن مستعدًا لها، وهو ما سينعكس لا محالة على أدائه واستقراره المهني.
ومع ذلك، لا يصح تحميل الوزارة وحدها المسؤولية، فقد لا تكتمل المعطيات الدقيقة عن أعداد الفصول والطلبة والأنصبة إلا بعد بدء الدراسة فعليًا، وترك الخلل قائمًا طوال العام قد تكون كلفته أكبر، ومن الإنصاف كذلك أن يتفهم المعلمون والإداريون أن الانتقال بين المدارس جزء من طبيعة العمل في منظومة عامة تتغير احتياجاتها باتساع خريطة المدارس والمدن السكنية وتغير التوزيع الديمغرافي.
لكن هذا التوصيف الموضوعي لواقع التعليم في الكويت يقودنا إلى جوهر المسألة الذي قد يحجبه صخب المطالبات والاعتراضات حينا من الزمن، وهو أن الإصلاح يحتاج إلى تخطيط مسبق، فمراجعة التوزيع ينبغي أن تتم قبل بدء العام الدراسي أي خلال الإجازة الصيفية الطويلة أو عبر آلية مرنة بمواعيد واضحة تعلن للجميع سلفًا، فالقرار إذا جاء في وقته كان تصحيحا للمسار، وإذا جاء متأخرًا تحول رغم حسن النية إلى عبء على العملية التعليمية التي يُراد حمايتها.
وخلاصة القول إن العبرة ليست بجوهر الإصلاح وغاياته ونواياه فحسب بل بتوقيته وكيفيته، فالاستحقاقات التعليمية مهما كانت عادلة في مضمونها وصادقة في مراميها قد تفقد جزءًا من أثرها إذا لم تأت في وقتها المناسب، وبناءً عليه فإن ترسيخ تقويم زمني توافقي لقرارات النقل وإعادة التوزيع سيخدم المدى المنظور لطالب والمعلم والوزارة معًا.