هل ظلمت الرواية الرسمية الشيخ أحمد الجابر؟ رد على سلسلة صراع السلطة

منذر الحبيب
نشر في 2022/12/10

التصميم :منشور

نشرت منصة «منشور» الشهر الماضي سلسلة صراع السلطة التي تسلط الضوء على صراعات الأسرة الحاكمة في الكويت، وهي سلسلة ممتعة وعميقة لدرجة أنها استفزتني لإبداء بعض الملاحظات على السردية التاريخية الخاصة بصراع الشيخين أحمد الجابر وعبد الله السالم. 

في المجال الأكاديمي هناك نظريات تتحدث عما يطلق عليه السرديات التاريخية، وهي القصص التي تُروى وتُكتب للأجيال المتعاقبة عن أحداث تاريخية تشكلت من خلالها الذاكرة الجمعية لمجموعة بشرية. في السرديات التاريخية هناك ما يسمى «الانحياز الانتقائي» لرواية ما، وهي الطريقة التي تؤدي إلى القول المعروف «التاريخ يكتبه المنتصرون»، وذلك بانتقاء قصص تخدم غرض ما وتجاهل بقية الروايات التي تسهم في وضع صورة أكثر شمولًا للحدث وشخصياته. وبهذا تُخلق سرديات تاريخية تخدم أيديولوجيا معينة أو مجاميع معينة، فتعظم شخصيات وتنتقص من خصومهم. 

الانحياز الانتقائي شائع في الروايات التاريخية، فعلى سبيل المثال لو أخذنا من التاريخ العربي الحديث، نرى جمال عبد الناصر الذي لم يكتف محبوه بتضخيم سلبيات المَلَكية وطمس إيجابياتها، بل مسحوا حتى تاريخ رفيقه في «الانقلاب» اللواء محمد نجيب، الذي توفي وهو تحت الإقامة الجبرية بعدما كان يترأس مجلس قيادة الثورة. ما يهمني من هذا المثال فقط توضيح كيفية سرد التاريخ لصالح طرف ضد طرف، وكيفية وضع طرف في كفة القديسين ضد كفة أخرى يعيش فيها الأشرار. 

يبدو لي أن جزءًا من تاريخ الكويت قد وقع في «فخ الانحياز الانتقائي»، وذلك بتضخيم صورة عبد الله السالم على حساب أحمد الجابر، في حين أن فترة حكم كل واحد منهما فيها من الإيجابيات والسلبيات معًا، فلا يخلو حاكم أو سياسي من ذلك. ربما ينطبق هذا على بعض ما جاء في سلسلة مقالات منشور عن صراع السلطة، مثل استخدام مصطلحات وصفية لها دلالات تجعل القارئ يميل لطرف دون آخر. ففي عدة فقرات على سبيل المثال جاء أن عبد الله السالم «مؤمن» «بالديمقراطية»، وتكرر مصطلح «مؤمن» أكثر من مرة، وهو مصطلح يصف ما في القلوب وليس وصفًا لقراءة مؤشرات وتحليل سياسي. تشير الكثير من الدلائل التي سأبينها في هذا المقال، إلى أنه خلال فترة حكمه حتى عام 1961، لم يكن عبد الله السالم ديمقراطيًا، بل العكس. علمًا بأن دستور 62 مشابه جدًا لما اقترحه أحمد الجابر ويوسف بن عيسى القناعي لدراسته من قبل مجلس 38، وهو ما تعرض للرفض.1

المشكلة الأخرى استخدام نفس المصطلحات الأيديولوجية التي وصفت الحركة المناوئة لأحمد الجابر مثل «الحركة الإصلاحية» و«الحركة الوطنية»، في حين تحوي اللغة السياسية مصطلحات تصف المجاميع من دون انحياز مثل حركة المعارضة، أو حركة القوميين نسبه إلى أيديولوجيتهم السياسية وهي القومية العربية المتطرفة التي تميل للفكر النازي كما أطلقت عليها الصحافة البريطانية،2

أو كما كانت تُعرف بين أوساط القوميين آنذاك بحركة الكتاب الأحمر،3 والمسمى  الأخير هو وصف دقيق للحركة التي انضمت لها المجموعة التي تصدرت المشهد في 1938، لذلك سأستخدم هذا المصطلح لوصف الحركة. 

حركة الكتاب الأحمر هي حركة قومية سرية انضم لها عبد الله الصقر وعبد اللطيف الثنيان الغانم وخالد سليمان العدساني وآخرون. تأسست في لبنان، ومُنظرها هو الدكتور قسطنطين زريق. أعضاء حركة الكتاب الأحمر هم المجموعة الأساسية التي قادت ودعمت الصدام السياسي في مجلس 1938.4

هناك أيضًا مصطلحات تنحاز لإظهار أنصار المجلسيين بشكل سلبي، فقد أسماهم عبد الله بن غصاب أمير قرية الشعيبة (1931-1942) «الخونة»5

، وهو المصطلح الذي لن أستخدمه في المقال. 

من هنا أعيد قراءة السردية التاريخية بناء على مصطلحات غير منحازة ولا منغمسة في الأحكام المسبقة عن أي شخصية. يحاول هذا المقال إجابة عدة أسئلة، وهي: هل كان عبد الله السالم منافسًا حقيقيًا لأحمد الجابر لتولي مقاليد الحكم في عام 1921؟ ومتى بدأ الصراع بين عبد الله السالم وأحمد الجابر؟ وهل حاول عبد الله السالم الحصول على دعم من خارج الكويت لتعزيز نفوذه؟ وما هي أحداث مجلس 38 التي أدت إلى الصدام المباشر؟ 

هل كان السالم منافسًا حقيقيًا للجابر على الحكم في 1921؟ 

صورة للشيخ عبدالله السالم في فيلكا سنة 1920

يبدو أن اختيار أحمد الجابر من قبل أسرة الصباح لم يكن مرهونًا بالوثيقة التي قدمها بعض الأعيان آنذاك، بل بعوامل أخرى كانت واضحة للعيان، وهي أن ترشيح أحمد الجابر لحكم الإمارة كان محسومًا، لذلك يُحتمل أن الوثيقة كانت أقرب إلى طرح الأمنيات، أو ربما الضغط المعنوي لإيصال رسالة إلى الحاكم المقبل عن الوضع الكارثي الذي وصلت إليه الكويت قبل استلام أحمد الجابر الحكم، أي في نهاية حكم سالم الصباح. 

كانت الكويت قد وصلت إلى حافة الإفلاس المالي بعد بناء الأسوار الأربعة (السور الثالث، سور الفحيحيل، سور الفنطاس، سور الجهراء) وخوض عدة حروب آخرها معركة الجهراء في 1920. أضف إلى ذلك أن الكويت خسرت أراضي شاسعة وأموالًا تقدر بـ30 ألف ليرة ذهبية بعد الهزيمة في معركة حمض في 1920. ويقدم المؤرخ والرحالة عبد العزيز الرشيد نقدًا لاذعًا لقرارات سالم المبارك الصباح في إدارته للصراع مع سلطان نجد عبد العزيز آل سعود، وهو ما ألقى بظلاله على فترة حكم الشيخ أحمد الجابر ما بين 1921 و1950.6

بالعودة إلى عوامل تفوق أحمد الجابر كمرشح للحكم على عبد الله السالم، فإن أولها كان السن. أحمد الجابر كان يبلغ من العمر 36 عامًا حين توفي عمه الشيخ سالم، في حين كان حمد المبارك يبلغ 26 عامًا (وهو ليس محل بحث في هذا المقال). أصغر المرشحين كان عبد الله السالم، الذي لم يكن يتجاوز 25 عامًا حينها، أي أن أحمد الجابر كان يكبره بـ11 عامًا. 

أما العامل الثاني فيتمثل في خبرة الشيخ أحمد الجابر، الذي تمتع بسجل سياسي حافل عبر مشاركته في الحروب وفي إدارة الدولة قبل هذا التاريخ. فقد أرسله الشيخ مبارك مع عمه سالم للمعارك التي خاضتها إمارة الكويت بعد معركة كنزان في الاحساء ضد العجمان، كما أرسله الشيخ سالم ليتفاوض في أزمة الحدود بين الكويت وسلطنة نجد. علاوة على ذلك، كان أحمد الجابر قد عاد إلى الكويت من بريطانيا في 1920، بعد أن زار قصر باكنغهام بدعوة رسمية وشخصية لحضور تنصيب الملك جورج الخامس ولقائه، كما زار المملكة المصرية واستُقبل بحفاوة رسمية. يمكن القول هنا إن هذه إشارات سياسية لا يمكن إغفالها. أضف إليها ما يذكره عبد العزيز الرشيد من أن الشيخ أحمد الجابر كان في عهد الشيخ سالم يلقب بولي العهد، وهذا مؤشر يدل على جهوزيته لتولي مقاليد الحكم.  

هناك ثلاثة مؤشرات أخرى توضح أن أحمد الجابر كان منافسًا لعمه سالم المبارك على الحكم في بادئ الأمر، وليس لعبد الله السالم لاحقًا، وهذا يبين قوة الجابر في تسلسل الحكم. المؤشر الأول هو نفي الشيخ سالم للشيخ محمد الشنقيطي عن الكويت، وكان أحد أسباب هذا القرار قربه من الشيخ أحمد الجابر. أما المؤشر الثاني فهو الدعوة الشفهية الرسمية التي وجهتها بريطانيا لأحمد الجابر دون علم عمه. في حين كان الغضب الشعبي الواسع ضد سياسات الشيخ سالم يمثل المؤشر الثالث. ففي مقابل هذا الغضب تجاه سياسات سالم، تمتع أحمد الجابر بشعبية جارفة اتفق كل من الرشيد وديكسون على أنها كانت في وقت لاحق سندًا له ضد مجلس 38. 

فمع السجل المقدم هنا، يبدو أن الشيخ سالم كان يتوجس من صعود الشيخ أحمد الجابر شعبيًا وتقرب الحكومة البريطانية منه، خاصة أن سالم كان يميل إلى التحالف مع الدولة العثمانية، والتي كانت تسمى برجل أوروبا المريض حتى سقطت في 1921، مما جعل البريطانيين يراجعون طرق التعامل معه.

الأمر الأهم والذي يرفع احتماليته هو أن الشيخ عبد الله السالم لم يكن منافسًا حقيقيًا على الحكم، وهذا يعني أن الوثيقة التي أطلقها أعيان الكويت خلقت لعبد الله السالم بيئة تسمح له بالسعي نحو الحكم كما سآتي لاحقًا، في حادثتين نفذهما السالم ضمن محاولاته لسحب صلاحيات أحمد الجابر لصالحه وكادت تودي بالكويت إلى أخطار، مثلما حصل في مجلس 1938 من محاولة الملك غازي ضم الكويت بتأييد من حركة الكتاب الأحمر فرع الكويت. 

متى بدأ الصراع بين عبد الله السالم وأحمد الجابر؟  

صورة لقصر السيف قديمًا

يحتمل أن هناك سببين لطرح الوثيقة التي رُفعت لأسرة الصباح وأحد بنودها «إصلاح بيت الصباح كي لا يجري بينهم خلاف». الأول هو الخلاف على السلطة الذي ذكرته في النقطة السابقة. 

أما السبب الثاني فكان خلافًا ماليًا، وهو الخلاف الذي تحدث عنه المؤرخ حسين خزعل بالتفصيل. والقصة تقول إنه بعد تولي أحمد الجابر الإمارة، وخلال أحد اجتماعات الأسرة، اقترح عبد الله السالم أن تكون هناك رواتب لبعض أفراد الأسرة بما فيهم الحاكم أحمد الجابر.7

وربما يبدو الأمر للوهلة الأولى اقتراحًا تنظيميًا مستحقًا، لكن الشق الآخر من الاقتراح تضمن إعطاء رواتب لأخويه علي وفهد. 

رُفض الاقتراح من أسرة الصباح بحجة أن الأسرة لم يسبق أن خصصت راتبًا لحاكم. وأما الاحتجاج الثاني من قبلهم، وهو النقطة الأهم، فكان أن أخوي عبد الله السالم يتصرفان في أموال طائلة من مدخول مخازن السوق، ولا يستحقان الرواتب المطروحة من عبد الله السالم في رأي أفراد الأسرة. يبدو هنا أن عبد الله السالم وضع اقتراحات مثيرة للجدل، بينها ما يُفهم منه أنه ليس إصلاحيًا بقدر ما كان تنافسًا على الثروة والمناوشات السياسية والمالية. 

يُذكر أن أحمد الجابر كان مهتمًا بإصلاحات اقتصادية منها قضية رواتب الأسرة، فقد خفض رواتب أسرة الصباح ورواتب خدم القصر. كما أوقف الدعم المالي للقبائل لسببين: الأول أن الكويت كانت تمر بضائقة مالية لأسباب عالمية ومحلية لا يسع المجال لذكرها الآن، والثاني أن أحمد الجابر كان يصرف الأموال على وضع أسس الدولة الحديثة، كإنفاقه على التعليم مثلًا وتأسيس المدرسة الأحمدية التي كان أحد أكبر المتبرعين لها، والمدرسة القبلية للبنات، إضافة إلى تعبيد الطرق وإنشاء البلدية، وبدء صرف التموين للسكان أثناء الحرب العالمية الثانية، وهو ما استمر إلى يومنا هذا، كما طور عدة مجالات أخرى ربما نذكرها في مقال آخر. 

هل حاول عبد الله السالم تعزيز نفوذه بدعم خارجي؟

الشيخ عبدالله السالم الصباح يستقبل الملك سعود بن عبدالعزيز في زيارة للكويت

لإجابة هذا السؤال يجب تسليط الضوء على حصار المُسابلة، الذي فرضه سلطان نجد لمنع تجارة الكويتيين مع نجد والقبائل الموالية لابن سعود. امتدت فترة الحصار 20 عامًا، وتسبب في إرهاق الكويت ماليًا وانتشار الفقر فيها، مما دفع أحمد الجابر لتعزيز الخطوط التجارية مع الساحل الفارسي المقابل.8

في تلك الأثناء كانت المباحثات بين أحمد الجابر وعبد العزيز آل سعود قائمة، وقدم فيها عبد العزيز الكثير من المطالبات التي تحتوي مضامينها على سلب الكويت سيادتها على أراضيها، ومنها وضع وكيل للجمارك على موانئ الكويت. كانت الضغوط تتزايد على أمير الكويت يومًا بعد يوم من قبل التجار الذين انقطعت تجارتهم مع نجد نتيجة الحصار. وفي عام 1923، بادر أحمد الجابر بإرسال عبد الله السالم محملًا بالهدايا ليتفاوض مع عبد العزيز آل سعود بخصوص حصار المسابلة. وعندما عاد السالم بالمقترحات التي ناقشها مع عبد العزيز فوجئ برفض الجابر للمقترحات على الفور، حتى قبل المشاورة مع تجار البلاد وأعيانها. 

يقول الباحث حمد علي إن هذا الرفض السريع «جاء بسبب تأييد عبد الله السالم لبعض المقترحات السعودية»، وأن الجابر «لم يكن راضيًا عن إدارة عبد الله السالم للمفاوضات». و يشير هنا لنقطة حساسة هي أنباء حول «رغبة عبد الله السالم في أن يكون وكيلًا للمباشرة في هذا الأمر بنفسه».9

وربما يُفهم من هذا التصرف أن السالم كان يبحث عن زيادة نفوذه عبر التعاون مع ابن سعود، واستغلال النافذة التي منحها له الجابر في قضية المسابلة ليكون له تأثير أكبر في القرار السياسي. 

بعد هذه الحادثة اعتزل عبد الله السالم في جزيرة فيلكا، وظل غائبًا عن المشهد حتى بداية حركة 1938.10

ما هي أحداث مجلس 38 التي أدت إلى الصدام المباشر؟ 

صورة نادرة للشيخ عبدالله السالم حين كان رئيساً للمجلس التشريعي

«أحمد الجابر أعطانا كل شيء، ولكننا لم نحسن التصرف»11

- عبد اللطيف ثنيان الغانم، عضو مجلس 38 ورئيس المجلس التأسيسي 62

يشير السياق التاريخي لحوادث مجلس 1938 إلى أن هناك عدة قوى سياسية تتقاطع وأخرى تتناقض في الأهداف، ومنها القنصل البريطاني ديكوري الذي كان يطمح في لعب دور سياسي أكبر في الكويت باسم بريطانيا، وعبد العزيز آل سعود الذي كان يفرض حصارًا اقتصاديًا على الكويت. في حين كان الملك غازي يشكل القوة الثالثة، والذي كانت له أطماع في ضم الكويت باسم الوحدة والقومية العربية. أما داخليًا فهناك عبد الله السالم الذي يبدو أنه كان يطمح للسلطة آنذاك بالتعاون مع مجموعة الكتاب الأحمر المتحالفة معه، وهي مجموعة قومية تتبنى الفكر القومي المتأثر بالنازية، ومن أهدافها تحقيق الوحدة مع المملكة العراقية، ومن أعضائها عبد الله حمد الصقر وعبد اللطيف ثنيان الغانم وخالد سليمان العدساني وآخرون12

كان أحمد الجابر يدير كل هذه الملفات والصراعات إلى جانب الوضع الاقتصادي المنهار والمتفاقم، بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي، والحصار الجنوبي من سلطان نجد الذي قارب عامه السادس عشر، وتعويضات المنكوبين من سنة الهدامة عام 1934، ودخول أجواء الحرب العالمية الثانية (1939-1945). أي مراقب للعوامل السابقة سيتعجب: كيف يمكن تجاوز كل هذه الظروف والتحديات؟ 

شهد عامي 1938 و1939 ثلاثة مجالس برلمانية، اثنان منتخبان ثم مجلس معين، وترأس عبد الله السالم جميع تلك المجالس. يمكن القول هنا إن تحالف السالم مع حركة الكتاب الأحمر حقق له مكاسب في تولي رئاسة المجلسين التشريعيين 1938-1939، والذي منحه صلاحيات تجاوزت أحيانًا صلاحيات أحمد الجابر. بل وصل إلى حد تعيين شخصين كسكرتارية لأحمد الجابر وطلب إقالة سكرتيره الملا صالح، وكذلك نفي وإبعاد صديقه خالد الخالد إلى الجهراء، وهو القرار الذي وقعه المجلس بالفعل كما يذكر خالد العدساني في مذكراته13

وإلى جانب التعدي على صلاحيات الأمير الشيخ أحمد الجابر، كان دور المجلس برئاسة عبد الله السالم مناهضًا لمفهوم الديمقراطية تمامًا، فقد منع الناس من توجيه أي نقد للمجلس، ومنح «تفويضًا لمدير الشرطة بإلقاء القبض على من يشتبه بهم ممن يتطاولون على الحكومة»14

. بالإضافة إلى وضع كل الصلاحيات تحت يدي المجلس التشريعي بقيادة عبد الله السالم، ومنها التنفيذية والتشريعية. 
صاحب السمو الشيخ عبدالله السالم الصباح يفتتح أولى جلسات المجلس التأسيسي في 20 يناير 1962

ربما يجادل البعض بأن هذا هو عمل الحكومة البرلمانية، وهذه فرضية صحيحة، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة المجلس دور السلطة القضائية عن طريق الحكم في أحكام الاستئناف واستجواب الشهود في المحاكم، وهذه ظاهرة تناقض الديمقراطية، بل هي معاكسة لها تمامًا.15

كما دخل المجلس في تفاصيل وأبسط أعمال البلدية، من رخص الدكاكين حتى من له حق زيارة البواخر. الغريب أن المجلس رفع تسعيرة الجمرك البري، وربما يكون هذا العمل لصالح الجمرك البحري. كما كتب قانون الغواصين المجحف لهذه الفئة، وربما يكون قلة أعضاء المجلس الذين ينتمون إلى حي شرق (الذي ظُلم في هذه الانتخابات) السبب وراء ذلك، لأن أغلب أهالي حي شرق من الغواصين.16

لكن أكثر القرارات استفزازيةً والتي دفعت إلى التصادم المسلح هو وضع المجلس يده على مخزن السلاح بقصر نايف، وهذا مؤشر على أن طموح عبد الله السالم والمجموعة المتحالفة معه ذهب إلى حد سلب الأمير الإشراف على القوة المسلحة، وهي عمود الحكم الرئيسي في أي دولة، ما يتنافى مع الفكرة القائلة بأن الدولة هي المحتكرة للعنف والسلاح. 

في ظل هذه القرارات تقدم العضو يوسف بن عيسى القناعي باستقالته من المجلس، وكان كأنه يستشرف المستقبل، لأن تلك القرارات كانت لها تداعيات سلبية أدت إلى صدام مسلح. اندلعت شرارة هذا الصدام عندما كانت مجموعة الحرس تقتاد محمد المنيس إلى السجن عبر سوق التجار المجاور لمبنى السجن.17

وكان سبب اعتقال المنيس هو تصريحه أن أسرة الصباح «لم يعودوا حكامًا للكويت، وعلينا مقاومتهم إلى حين وصول القوات العراقية».18 يقول الشيخ يوسف القناعي إنه حصل تدافع باتجاه الحرس، وبدأ إطلاق النار من جانب حلفاء الكتاب الأحمر باتجاه الحرس، وتحديدًا تجاه مجموعة حرس كان يرأسها عجران العجران الذي مر عيار ناري بجانب رأسه. جرى الرد وقتها من الجانب الآخر على مطلق النار، فسقط محمد القطامي قتيلًا وأصيب يوسف المرزوق في قدمه. 

أدى تطرف وحدة الأطروحات إلى نهاية دموية، يقول عبد اللطيف ثنيان الغانم: «كنا نحن الشباب خالد العدساني وعبد الله الصقر وأنا نفرض آراءنا وأفكارنا على المجلس، الذي انجرف في تيارنا المتطرف».19

يؤيد عبد اللطيف في هذا الكلام كل من يوسف الصالح الحميضي وخالد عبد اللطيف الحمد، كما يذكر بدر خالد البدر في مذكراته. هذا التطرف والحدة في الطرح السياسي أدى إلى حل المجلس التشريعي الأول والثاني ووصول المجلس المعين، وهو ما دفع عبد الله السالم إلى العودة للتحالف مع أحمد الجابر، ومكافأته بتولي رئاسة المجلس المعين في 1939.

من إرهاصات هذا الصراع انخراط المجتمع وانقسامه إلى حزبين: حزب أحمد الجابر20

وحزب عبد الله السالم، كما يذكر الباحث محمد الحبيب في رسالته للدكتوراه. كان حزب الجابر قوامة أسرة الصباح، وأهل القرى،21 والعجم، والشيعة، وأهل البادية، وتجار من حيي شرق وجبلة، مثل نصف النصف وابن بحر وعبد المحسن الخرافي وخالد الزيد وثنيان الغانم ويوسف العدساني، والملا صالح السكرتير الخاص بأحمد الجابر، والذي يطلق اسمه على هذا الحزب.22

أما حزب عبد الله السالم فكان قوامه مجموعة الكتاب الأحمر، والتي شكلت مجموعة سرية داخل الكويت اسمها الجمعية الكويتية السرية، كانت تتكون من 12 شخصًا من حي جبلة، على رأسهم عبد الله الصقر وعبد اللطيف الغانم وسليمان وخالد العدساني.23

يُستشف من هذا الاصطفاف أمرين: الأول حجم القاعدة الشعبية لأحمد الجابر وتنوعها، مقابل محدودية القاعدة عند حزب عبد الله السالم. والأمر الآخر هو الانعكاس الاجتماعي لهذا الصراع الذي قسم حتى أبناء الأسرة الواحدة بين الحزبين، مثل عائلتي العدساني والغانم. 

إلى هنا انتهت محاولات عبد الله السالم للتنافس مع الشيخ أحمد الجابر. ويتضح مما سبق أنه كان هناك طموح جامح للسلطة من قبله، وهو حق مشروع لا غبار عليه، لكنه لم يكن ديمقراطيًا في بعض جوانبه. كما أن الغلبة كانت للشيخ أحمد الجابر، الذي كان يسعى في كل مرة منذ البداية إلى احتواء السالم. 

أعتقد أن أحمد الجابر يستحق ذكر إيجابياته التي غيبها التاريخ لأسباب لا مجال لذكرها الآن، فمن إيجابياته أنه كان أول من أنشأ مجلس الشورى ليشارك في إدارة البلاد عام 1921، وكان أول من أدخل الانتخاب وصناديق الاقتراع في تاريخ الكويت، وأولها انتخابات بلدية الكويت في 1930، وبعد ذلك المجلسين التشريعيين عامي 1938 و1939، وغيرها من الانتخابات. وفي عهد الجابر ظهرت الصحافة الكويتية، وانتشرت النوادي الثقافية والأدبية، وصدر أول كتاب عن تاريخها. بينما حُلت الكثير من المجالس المنتخبة وأُغلقت الصحافة في عهد عبد الله السالم، كما اعتُقل ما يقرب من 1400 شخص في ثانوية الشويخ عام 1959، وربما تكون أعلى نسبة اعتقالات على مدار التاريخ الكويتي. 24


لا يعني هذا أن عبد الله السالم ليست لديه إيجابيات، ولكنها تذكرة بأن الأمر ليس كما يصوره البعض من تضخيم لدوره وإجحاف حق أحمد الجابر. 

ملاحظة: لم تُنشر محاضر المجلس التأسيسي منذ حله في 1939 إلا عام 2020 على يد الدكتور عادل عبد المغني، فكيف تحلل وتمدح مجلسًا لا تعرف أعماله ولا محاضره قبل تاريخ 2020؟

منذر الحبيب